الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

قصة ( لا تقلق )


" لا تـقـلق "

* يعقوب الريامي .


من خلف الجبال بدأت تطل علينا تلك الكتلة الملتهبة ذات الوجه الساطع ثم زحف نورها الدافئ على أرجاء البلدة . قريبا من هذا الوقت كنا على موعدٍ للسفر إلى الدولة المجاورة التي تبعد عنا مسافة ندبُ فيها مدة ساعتين ونصف على سرعة قانونية تُـرضى رجال المرور .
جهزنا جهازنا و تركنا الخزان الخلفي للسيارة فاغراً فاه يبتلع رحالنا . تحركنا وكلمات دعاء السفر المسجوعة تنساب من فم أحدنا كلحن جميل .
حديثنا يكاد لا يفـتـر ومزاحنا مع بعضنا نحبكه بين الحين و الآخر لكي لا نجعل سفرنا كله قطعة من العذاب .
بعد مرور أكثر من ساعة ...  
أخرج صاحبنا هاتفه النقال من جيب ثوبه ببطء . تنقلت أنامله فيه بلطف ثم وضعه على أذنه بهدوء ، طأطأ رأسه و أحنى عموده الفقري إلى قريبا من فخذيه منكمشا على نفسه ببقية أعضائه .
تكلم بصوت خفيض . ما أن انتهى من مكالمته حتى أعاد هاتفه واستقام في جلسته .

عدة دقائق انقضت ثم سمعنا صوت ضرب كف على كف ، أعقبتها كلمات :
-  أوه نسيت ... سبحان الله .

كانت تلك تأوهات صاحبنا المتصل قبل قليل . تلاحقت نظراتنا المتوثبة إليه نرقب حركاته محاولين تأويل انفعاله .
أخرج الهاتف مجددا بسرعة ضغط على أزراره بخشونة ثم ألصقه على أذنه بتوتر -  بدون أن يغيّر من هيئته – أنصت ... انتظر قليلا  ... لم ينبس ببنت شفه . 
ألقى بنظره فاحصة على شاشة الهاتف ، ضل واجما و ملامح القلق تكسو وجهه .

تجرأ أحدنا و سأله :
-  ماذا بك ؟
رد مستاءً :
-  لا يوجد هنا إرسال لشبكة الهاتف. 
قلت له :
-  هل لديك مكالمة ذات أهمية ؟
-  تستطيع أن تقول ذلك ... صمت قليلا ، ثم أردف :
-  قبل قليل هاتفتُ زوجتي فطلبتُ منها أن تذهب إلى مخزن البيت وتعمل على تنـكيس أوعية التمر لحاجة جمع العسل النازف .
سألته ببرود :
-  وما المشكلة في ذلك ؟
رد  :
-  بعد عدة دقائق من انتهاء المكالمة  تذكرت ضرورة أن أنبهها بإضاءة مصباح المخزن قبل الولوج إليه لتتأكد من خلو المكان من العقارب التي عادة ما تتربص بالبشر في الأماكن المظلمة والضيقة.

تكلم أمير السفر :
-  يا أخي إن الله قادر أن يجعل ألف سبب وسبب ليبعد المكروه الذي تخشاه على زوجتك كأن ينسيها أن تقوم بهذه المهمة أو أن تكلف شخصا آخر بهذا العمل فيحسن أداءه .  
قال له أحدنا :
-  هون عليك ... غالبا لا يوجد إرسال في هذا المكان بالتحديد ، انتظر قليلا وسيعود فيكون بمقدورك معاودة الاتصال ، لتزيح عن كاهلك أثقال القلق و الهواجس .
قلت له ( وسخرية أكتمها في نفسي تجاه صاحبي هذا الذي أرجح أنه لا يخلو من أعراض الوسواس القهري أو أنه كثير التشاؤم  ) :
-  لا تقلق يا رجل لا أظن أن أم أولادك طفلة صغيرة فـتغفل عن أخذ احتياطات بديهية ، أقول لك كما يقول المثل المصري ضع في بطنك بطيخ صيف .

تصاعدت قهقهات من الجميع ...

* * * * * *

عدنا إلى من جديد نتجاذب أطراف الحديث . تكلمنا في التابوهات الثلاثة ، تارة نختلف في آرائنا وتارة نتفق على كلمة سواء  .
إلى أن وصلنا نقطة الحدود للدولة المجاورة . خرج أحدنا يحمل جوازات السفر للختم .
في هذه الأثناء رن هاتف صاحبنا بنغمة جرس واضحة ، نظر إلى شاشة الهاتف ثم دفع بنفسه خارج السيارة ، أطلق لرجليه المشي بلا وجهة معينة والهاتف على أذنه هامسا بكلمات لا نفقهها .
كنا نتقصى خطواته بنظرات ملؤها الاستفهام والفضول  .

بعد برهة عاد إلينا ...
خاطبه أمير السفر :
-  خيرا إن شاء الله .
رد وهو يهز رأسه في ضيق :
-  زوجتي على سرير المستشفى ، لقد لسعتها العقرب الشريرة ! .

هناك تعليق واحد:

  1. تحية طيبه لك مني مع عذب الكلام
    جميل ما خطته يداك والأجمل تناسق وترابط كل حدث مع سرد جميل مسترسل
    الى الامام دائما

    ردحذف