" اليوم الرابع "
* يعقوب الريامي .
يبدو أن نسمات الفجر الندية ، التي أنعشت صدري أثناء عودتي من المسجد ، دفعتني إلى استدعاء الأفكار المثيرة للغرابة بعض الشيء ، فقد قذفت في رأسي فكرة صاخبة ، ما فتأت تصرعني و أصرعها ، ألوذ بالفرار منها و تتشبث بي ، إلى أن غلبتني بسمو هدفها و صدق حاجتي إليها .
فكرة الذهاب إلى محافظة مسقط وحيدا في اليوم الرابع من عيد الفطر المبارك ، تقبلتها بقبول حسنٍ ، فقد حددت غايتي منها لاحقا ، وهي الخلوة بنفسي بعيدا عن جلبة البيت ، و لأتحرر من التزامات العيد العائلية ، و لأنسل من عادات المجتمع في أيام الأعياد ، إذ بدأت أمقت الثج المبالغ فيه ، وهو إراقة دماء العجماوات بطريقة توحي أننا كوحوش مفترسة في غابة ، لا هم لنا غير أكل اللحوم .
الذي يضيق له صدري أن نهدر الأيام الثلاثة الأولى من العيد في التفنن في إعداد اللحم ، مصحوبة بجهد عضلي و ضغط نفسي ، يبدأ بالبحث المضني عن الحيوان المناسب ، مرغمين بحرقة على دفع مئات الريالات له ، معزين حالنا بذكر ثمنه في المجالس مباهاة و فخارا .
تأتي معركة الذبح التي نستعرض فيها عضلاتنا المتصلبة لطرح الحيوان الثائر أرضا ، ثم نحز رقبته و نسلخ جلده ، كل هذا يحدث بمهارة ، ننافس فيها غيرنا ممن يذبحون بمقربة منا .
بعدها نتحلق حول أرطال اللحم لساعات طوال ، متجمدين في جلسة تأن لها المفاصل و تتشنج لها العضلات ، من أجل تقطيعه على أشكال هندسية متنوعة ، ومن المألوف أن تنـتهي هذه العملية وقد أثخنت شفرة السكين الحادة أصابع أحدنا بجراح دامية ، وأخيرا مرحلة فن الطبخ العُـماني ، فإبداعنا يكون على تشكيلات متمايزة ، ما بين المقلي و المشوي و المضبي ، بعد كل ذلك نظل ثلاثة أيام نمضغ كتل اللحم في البيت ومع الضيوف وفي منازل الجيران .
في الجانب الآخر نجد من يتوارى من القوم متألما و هو كظيم ، من سوء ما أصيب به ، فيمشي إلى الصيدلية على استحياء ، طالبا دواء يفك به مغاليق تخمة كدرت عليه بهجة العيد ، أو ليكبح جماح إسهالٍ أجبره على الاعتكاف في البيت خشية الحرج ، ومنهم من يلازم صفا طويلا في المستشفى ، من شكوى تلبك في معدته - هذا ما صرح به طبيب في مستشفى سمعته متذمرا من هذا الحال - أقول لهم ، جنت على نفسها براقـش !.
العادة الاجتماعية تفرض نفسها علينا ، فمن أعرض و نأى بجانبه ، ستلوكه ألسنة الناس كقطع المشاكيك !.
كأني في ساحة حرب وضعت أوزارها ، حين أشاهد مخلفات الذبح و بقايا شواء التنور في مجمعات القمامة قد اكتـظت به إلى أعلاها ، و تناثر بعضه على جانب الطريق ، حينئذٍ سيمطرنا أنصار الصحة و دعاة الحضارة بوابل من النقد اللاذع .
الخلاصة بعد أيام العيد الأولى ، امتلأت بطوننا بموائد حفلة المشاوي ، و جفت جيوبنا من النقود التي تلزمنا للمعيشة إلى آخر الشهر .
كثيرا ما أردد لمن حولي تلك الحقيقة العلمية ، التي مفادها أن الحيوانات آكلة اللحوم أقل عمرا من الحيوانات آكلة النباتات ، كمقاربة لتأثير كثرة أكل اللحم في أجسامنا ، لتعيها أذن واعية ، مؤكدا انتشار أمراض الوزن الزائد و السكري في دول الخليج بنسبة عالية ، مرده إلى ضعف ثقافة الغذاء الصحي .
من هنا أدعو أهالي منطقتي إلى التخلي عن عادة الذبح في عيد الفطر ، و إرجائها إلى عيد الأضحى ، التي تكون فيه الأضحية مطلب شرعاً لا محيص عنه ، حقنا لدماء أموالنا ، و للتخفف من أعباء الذبح وما بعده ... ، فهل من مدكر ؟! .
* * * * * *
ها أنا في المحافظة أمشي في مناكبها ، و أجوس خلال مدنها ، ممتعا عيني بجمال أشجار الزينة ، التي ظلت ترافقني على كتفي الشارع الرئيس .
في الظهيرة نزلت فندقاً بمدينة مطرح مقابل سوق السمك ، كان اختياري له على عين ، فصخب السوق و حركة الناس الدائبة ، تعرض لي الكثير من المشاهد التي تنبض بالحياة و المواقف التي تثير النظر ، فتدفعني للتأمل الذاتي ، الذي به أحاور العقل و أخاطب الروح ، لعلي أجد ضالتي في حكمة تعزز فهمي لهذا الوجود ، أو معرفة توسع مداركي ، فتسلك بي طريق التفكير السليم و التحليل الصائب لأحداث الواقع .
في المساء كانت خطواتي تتلاحق في سوق مطرح الشعبي ، الذي يعد قبلة سياحية وتجارية بارزة في السلطنة ، يشد إليه الرحال من المواطنين ، ومن كل فج عميق من الأجانب ، يدهشك بزخرفة سقفه و وعبقه العطري والتواء سككه كأنها أذرع أُخطبوط . السوق في ليلة العيد يضج بالمشترين ، تكاد الأكتاف تلمس بعضها ، والأنفاس تمتزج بروائح الأجساد ، ففي وقت الذروة يعز عليك أن تجد موضعا لقدمك فضلا أن تجد موقفا لسيارتك خارجه! ، أما اليوم فهو خاوٍ على عروشه إلا من رهط من السياح الأجانب ، يتبضعون بروية ، فقد استهوتهم تحفه التراثية و بضائعه التقليدية .
السكون الذي يلف سوق مطرح اليوم ، تكاد تلحظه في عيون الباعة الأسيويين - صفعة في وجه التعمين - بنظراتهم الخاملة ، والكسل الذي يكبلهم في مقاعدهم .
بعدها عرجت على حديقة ريام ، على بعد مرمى حجر من السوق الشعبي ، كانت تعج بالمرتادين ، لكل امرئٍ منهم يؤمئذٍ شأنٌ يُغـنيه ، منهم من يجد أنسه في الألعاب ، وآخرون في الثرثرة على البساط الأخضر أو في تناول الوجبات الخفيفة ، فالسعادة تلامس شغاف قلوبهم ، وتنعكس في ملامح وجوههم .
تُعد الحدائق في المحافظة متنفساً لسكانها ، و مقصداً لقضاء أوقات العيد كذلك ، بخلاف بعض الولايات التي تفتقر إلى حدائق كبرى بمواصفات مثالية ، فتجد ذروة فرحة العيد عندهم في يومه الأول ثم يخفت وهجه بعد ذلك ، لهذا تجد أفواج من الأسر تتجه صوب المحافظة لتجديد الفرحة في الحدائق أو المنتزهات أو الشواطئ .
في الحديقة ساءني زعيق الفتيات البالغات ، حين تحملهن تلك الألعاب ، وتقذف بهن في الهواء صعودا و نزولا ، خضوع أصواتهن أمر مستهجن في مجتمع محافظ ، ولا ينبغي لهن ، فيطمع الذي في قلبه مرض .
هناك ظاهرة شاعت و استحوذت على مكانٍ في الحدائق الكبيرة ، ألعاب على شكل مسابقة تعتمد على خفة اليد أو عامل الحظ ، وهذا الأخير خارج إرادتنا . سأذكر لعبتين على سبيل المثال لا الحصر ، الأولي : رمي كرة لإسقاط علب فارغة مُـنضدةٍ فوق بعض ، المتسابق له ثلاث محاولات بقيمة ريال ، إذا لم يسقط العلب سيخسر الريال ، وإذا أسقطها سيسترد المبلغ مع دخوله سحباً عشوائياً ، ليحصل على هدايا متنوعة ، منها واحدة أو اثنتان غاليتا الثمن – الطُـعـم – و الباقي رخيص جدا يزهد منه الفقير ، اللعبة الثانية : قطعة نرد مكعبة لكل وجه فيها رقم ، فيطلب منك مسئول المسابقة أن ترمي المكعب على سطح الطاولة ليقف مثلا على وجه الرقم 6 .
نجحت في ذلك أم أخفقت ، فالنتيجة كاللعبة الأولى ، أي ما بين المكافأة الحقيرة أو الخسران المبين .
الذي أقر به في حق هذه الألعاب أنها محبوكة بذكاء ليصعب الفوز فيها ، فقليل من التفكير في مفردات اللعبة تكتشف أنها معالجة بطريقة ربما تصل إلى تطبيق قانون هندسي ناقص أو معادلة فيزيائية مغلقة ، لتتـعقد فرص النجاح - آمل أن لا أكون شططـتُ في التقدير – فالابتسامات المعلبة لأصحاب العروض و نظراتهم المتلونة ، تشي بمكر خفي ، لذا وجب الحذر .
عندما سألت مالك لعبة كهربائية في الحديقة نفسها ، عن سبب رفعه لسعر اللعبة الواحدة ، رد متبرما : إيجار البلدية الباهظ !.
من ممشى مطرح الساحلي ، تراءت لي الفلك المشحون ، الرابضة على الميناء في استرخاء ، بعد طول صراع مع أمواج البحر ، جئن من أقاصي الأرض حُبلى بمؤن الحياة .
في المساء يتـزين بأضواء كاشفة ، فتبدو الواحدة كعروس ليلة زفافها .
* * * * * *
بعد هذه الجولة المسائية المفعمة بالحيوية ، عدت أدراجي إلى غرفتي ، وقبل أن أهم بدخول الفندق ، اشتهيتُ احتساء الشاي في مقهى بجانبه . استويتُ على الكرسي ، مسحتُ المكان بنظرة خاطفة ، المشهد الذي شد انتباهي وجعلني أُطيل مشاهدته ، هو شاب منهمك في قراءة كتاب ، تعلو بشرته سمرةٍ خفيفة ، يرتدي ثوباً أبيض أقرب ما يكون بالدشداشة اليمنية .
كان يتميز بتحريك شفتيه بشكل ظاهر أثناء القراءة ، أكبرته في نفسي إذ كيف يستطيع الانسجام مع مادة الكتاب ، فالمقهى مطل على مدخل سوق السمك ، وتصطف إلى جانبه محلات و فنادق ، وأضواء السيارات الساطعة تكاد تخطف الأبصار و هدير الشاحنات الصاخب و صفير الأبواق الذي يمج الآذان ، كل هذا يحدث بقربه ، وهو في غفلة منها ، أفي أذنيه وقر أم على عينيه غشاوة ؟ ، لا يضيره ما يحدث حوله ، كأنه محلقٌ في عالم آخر ! ، وفوق ذلك تفيض منه ملامح السكينة و الاستمتاع بوقته.
أوزعتني نفسي المطمئنة التحدث إليه لأسبر أغوار حياته الشخصية ، لعلي أصيب من كريم شمائله و جميل فعاله ، ما يكون قدوة لي في معاشي وخيرا لي في معادي .
اقتسمت معه الطاولة ، ألقيت عليه السلام ، فرد بصوت خفيض دون أن يغير من هيئته أو يبدي حراكا، رافعا الكتاب إلى أمام عينيه ، غارقا في بحر من الكلمات .
قلت له :
- لو سمحت أرغب في الحديث معك .
التفت إليّ التفاتةٍ خفيفة وقال :
- ليس الآن ... أنا مشغول !.
في الماضي كان أكثر ما يقلق تجار القوافل قطاع الطرق ، أما اليوم فالذين يقدرون الوقت حق قدره ، أشد ما يزعجهم قطاع الوقت ، هكذا شبهتُ نفسي ، إذ جئت لأسلب زمنه الثمين ...
لكن هذا بحق زادني أعجابا به ، و إصرارا على مجالسته ، فقلت بتلطف :
- أعدك لن أطيل معك .
رد هازا يده :
- لاحقا لاحقا .. الآن عندي حصة قراءة ! .
العرب تقول من لّـجَ ولج ، فقررتُ أن أكون لحوحا ، فقد تولدت لي قناعة أنه إنسان قمين بالتعرف عليه لما يظهر عليه من مبادئ و مُـثل عليا ، لا بد لي من وسيلة تحفزه للتجاوب معي .
وقع بصري على عنوان كتابه (الشيعة النشأة السياسية والعقيدة الدينية- لـ صلاح أبو السعود ) ، فانبجست من رأسي حيلة ، كانت المفتاح الذهبي لفتح باب الحوار معه .
- عذرا ... أريد أن أناقشك في الكتاب الذي تقرؤه .
ما أن سمع كلماتي حتى قطع قراءته ، وتوجهت حواسه نحوي ، قال :
- لم أفهم بالضبط ما تريد .
تأكدت الآن أن الكرة في ملعبي ، عليّ أن أحسن اللعب معه ، لأسدد هدفا نظيفا ، فتأهل للحديث معه ، فأفوز فوزا عظيما ، فقلت :
- لقد قرأت كتاب ( تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ، لـ أحمد الكاتب ) فالمؤلف يعرض قريبا من الأفكار و القضايا التي يعالجها كتابك هذا .
حدثته باقتضاب عن الكتاب الذي قرأته ، وهو مصغٍ لما أقوله – يبدو أن صاحبي بدأ يتفاعل معي - ثم انخرطنا معا في نقاش تاريخي مفيد ، عرضنا فيه أسباب تكون الفرق الإسلامية ، مبتدئين بفتنة الصحابة منذ مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وما تبعه من تأجج الصراع بين معاوية بن أبي سفيان و علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، إلى تقّطع أمر المسلمين بينهم زبرا ، ثم تكلمنا قليلا عن تاريخ مذهب الشيعة النشأة و العقيدة ، بأسلوب شفاف و نفس خاليه من التعصب المذهبي .
فلما بلغ الحديث أجله ، استشعرت أنه عازمٌ في العودة إلى طقسه القرائي .
باغته بسؤال :
- من أي ولاية أنت ؟
أخبرني أنه من صلالة ، وأن العادة درجت به المجيء إلى مسقط في إجازة كل عيد ، لا هدف له غير القراءة ، ثم إنه أشار إلى الفندق الذي نزل به ، فكان ذاته الذي نزلت به .
تعارفنا بالأسماء في جو أخوي حميمي .
بعدها رمقني بنظرة ذات مغزى .. قائلا :
- يجب أن أنهي قراءة هذا الكتاب الليلة .
توقف لبرهة ، كمن يتدبر أمراً في عقله ، ثم استطرد كلامه ...
- لقد قررت أن أهديك هذا الكتاب غدا ، فليس من عادتي الاحتفاظ بأي كتاب قرأته ! .
تفهمتُ طلبه ، وعجبتُ من سلوكه في عدم جمع الكتب .
أخبرته أني سأغادر غدا صباحا ، راجيا القد ر أن يجمعني به غدا ، لأسلم عليه .
* * * * * *
عدت إلى مقعدي، مع كل رشفة شاي كنت أختلس النظرات إلى صاحبي وهو في نسكه المقدس ، فما زالت شفتاه تتحركان بسرعة وعيناه تلتهمان السطور بنهم ، سابحا في فلك القراءة ، في عزلة من هرج الناس ، ومن مرج الحياة . لمحت أنه يقرأ في الربع الأول من الكتاب ، والكتاب من الحجم المتوسط ، فسألت نفسي ، هل سيقدر حقا على إنهائه الليلة ؟! . أكرم بها من مجاهدة .
في غرفتي قرأت ما تسير لي من مجلة ( العربي ) الكويتية ، ثم تنقلت في فضاء قنوات التلفاز ما فوق المئوية ، كدت أن أتوه ، لولا أن ألقى الكرى عليّ رداءه الثقيل ، فخلدت إلى النوم ، قرير العين هادئ البال .
أصدقني القدر في تدابيره ، فعند ذهابي لصلاة الفجر ، التقيت به في غرفة المصعد !.
صافحته بحرارة ، سألني ساعة مغادرتي ، أجبته بعد الساعة الثامنة .
ران علينا الصمت ، لا أدري لماذا لم يكلمني عن الكتاب ؟ ، وأنا اعتراني من الخجل ما ألجمني عن تذكيره ، ليس لأمتلك الكتاب ذاته ، بل كذكرى طيبة من رجل هُـمام .
عسى أن يصدقني القدر مرة ثانية ، فيجمعني معه ، فقد فقدته ما يربو على خمسة أعوام ، منذ أول لقاء بيننا ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق