" ضد مجهول "
* يعقوب الريامي .
* السائح :
- قدمتُ من دولة أروبية كسائح ينشد الاطلاع على ثقافات الشعوب والترويح عن النفس من ضغط الوظيفة كمهندس معماري و رتابة حياة المنزل .
أعتدتُ مع زوجتي في كل إجازة سنوية القيام برحلة خارجية .
في هذا العام عقدنا العزم على زيارة أرضكم الطيبة عُمان . أغراني لذلك صديقي الذي ذهب لمهمة عمل في منطقة الخليج بالتحديد في مدينة الإسمنت دبي - هكذا نَعتها - حيث عاد من هناك يحدثني بإعجابه بدول الخليج ، مما قاله أن سلطنة عُمان هي الأحق في الأولوية بالزيارة عن البقية ثم أطال في وصفها من خلال ما قرأه عنها في الكتب السياحية أو ما شاهده من إعلانات متلفزة عن خريف صلالة .
من تصاريف القدر أن زوجتي اعتذرت عن مرافقتي لأسباب قاهرة في وظيفتها بشركة الاستيراد و التصدير ، فقد تم توقيف إجازتها السنوية في الوقت المتفق فيه للسفر إلا أن هذا الطارئ لم يثبطني من مواصلة الرحلة وحدي . لا أخفيك سرا أني كنت في البدء حزينا على فراق زوجتي إلا أني وجدتها إيجابية لأتحرر من نفقات تسوقها المفرط في كل بلد نزوره ههههه !.
بعد أيام على وجودي في عُمان أيقنت أني وفقتُ في هذه الرحلة ، فقد فاقت كل التوقعات .
شدني شموخ السلاسل الجبلية بألوانها المتعددة ، تتابعها لمسافة طويلة أشبه بجدار صخري عملاق ، كذلك انبساط الصحاري المترامية الأطراف حتى يكاد يخيل لي أني في أحد كواكب الفضاء . الأودية ذات المياه الصافية وأشجارها الباسقة تلف عددا من الولايات كحزام حول خصر حسناء ، أعجبتُ بالسواحل الممتدة بنظافة شواطئها ونعومة رمالها ، فهي تلهم السائح بفكرة المبيت بقربها .
تاريخكم المجيد تشهد عليه حصون تتربع على هضاب كحرس أمين أو قلعة صامدة أمام عوادي الدهر . المواقع الأثرية تُـعد مخطوطة تاريخية مازالت تحتفظ ببصمات الأولين و أبداع السابقين .
أستغل هذا المنبر لأشد على الجهة المنظمة للسياحة في الاهتمام بأمرين ، أولها استمرارية التنقيب عن المزيد من المواقع السياحية التراثية منها و الطبيعية ثم أعادة ترميمها و تأهيلها ، ثانيها تقديم الخدمات التي يحتاجها الزائر عادة أثناء ارتياده للموقع السياحي .
بلدكم متنوع جغرافيا وموغل تاريخيا ، فحُق لكم المفاخرة به ووجب عليكم المحافظة عليه .
لا يفوتني هنا ذكر دماثة خلق العمانيين و شيوع روحهم الطيبة . الكرم والتعاون صفتان لمستهما في كثير من أهالي المناطق التي زرتها ، احترامهم للسائح و تقديرهم للضيف جبلة فيهم .
هل تصدق أن أغلب تنقلاتي كانت مجانية ؟ إذ أنهم يعرضون حملي في سياراتهم برحابة صدر . لقد تذوقت طعم التمر السكري والقهوة المرة في منازلهم ، ناهيك عن وجبات الغداء بعد إلحاح منهم ، فهذا دليل على جودهم .
نعم ... الآن سأتحدث عن قضيتي .
في هذا الصباح المتلطف ببرودة معتدلة دخلتُ مقهى في مدينة صور ، جلستُ أرتشف الشاي حينها تلاقت نظرات عيني مع نظرات شاب يتناول إفطاره قبالتي ، بادرني بالابتسامة فأومأت برأسي لتحيته ، عندها أشار عليّ لأشاركه في طعامه.
تحركت نحوه فانساب التعارف بيننا كانسياب الشاي في جوفي .
كان في العقد الثاني ذو بشرة داكنة ، يقظ النظرات ، أنيق الهندام ، يضع على رأسه عمامة ملونة جزء منها طويل يغطي صفحة عنقه من الخلف .
نشرنا بُسط الحديث بيننا في مواضيع شتى ، إلى أن سألني :
- هل زرتَ وادي شاب ؟
أطرقت أفكر لبرهة ... بعدها أخرجت من حقيبتي كتاب المرشد السياحي لسلطنة عُمان الذي اشتريته من مطار مسقط .
قلبت أوراق الكتاب في فصل المنطقة الشرقية ثم قرأتُ له ما خلاصته :
( يقع وادي شاب في نيابة طيوي التابعة لولاية صور في المنطقة الشرقية ، ويبعد عن مسقط 140 كم على طريق قريات صور الساحلي ، وتتصافح على أطرافه المياه العذبة المنحدرة من أعالي الجبال مع مياه البحر المالحة وذلك نتيجة قرب الوادي من البحر ، الذي بدوره ساعد في خلق التنوع البيئي الذي صاغت من خلاله الطبيعة مقومات انفرد بها هذا الوادي عن بقية أودية السلطنة . تُعد الرحلة لوادي شاب مغامرة شيقة ، إذ يتمتع الزائر أثناء الرحلة بالمشي على الأقدام بين المرتفعات الجبلية ).
ثم قلت :
- ألستَ تقصد هذا الوادي ؟
رد مبتسما :
- يبدو أن كتابك هذا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
ثم أنه عرض عليّ أن يقلني إلى الوادي بسيارة الأجرة التي عنده ، مؤكدا أنه يسكن في القرية المجاورة له ، فوافقته عن طيب خاطر .
في الطريق حدثني عن عادات أهل صور في الزواج و الأعياد ، وسرد لي لمحة عن تاريخ مدينة صور . كذلك أوضح لي مواسم الصيد عندهم ، مطعما حديثه بحكايات مثيرة عن مخاطر صيد سمك التونة في فصل الصيف عند اشتداد الريح .
حين اقتربنا من مدينة قلهات أسهب في ذكر حضارتها التاريخية ومكانتها السياسية و الاقتصادية ، من جملة ما قاله إن المؤرخين ذكروا أن مالك بن فهم الأزدي وأفراد قبيلته – قبل الإسلام - اتخذوا من قلهات محطة توقف خلال هجرتهم من اليمن إلى عُمان في القرن الثاني الميلادي، قبل توجههم لمداهمة الفرس في قواعدهم بصحار ، كذلك كانت لفترة ما مركزا تجاريا لحكام مملكة هرمز لاحقا .
ثم توقفنا لمشاهدة ضريح المرأة الصالحة ( بيبي مريم ) الذي يُعد من الآثار المتبقية الدالة على أهمية قلهات التاريخية . وتشير المصادر إلى أن هذه السيدة كانت تحكم قلهات إبان حكم قطب الدين ملك هرمز خلال زيارة ابن بطوطة للمنطقة ، في حين يقول السكان المحليون إنها امرأة طاعنة في السن قامت بعمارة المسجد وخدمته إلى أن توفاها الله .
لقد حظيت مدينة قلهات بزيارة العديد من الرحالة و المكتشفين ، مثل الرحالة الإيطالي ماركو بولو ثم بعد خمسين عاما زارها الرحالة العربي ابن بطوطة في القرن الثالث عشر الميلادي .
ويُـذكر أن ياقوت الحموي وصفها في كتابه معجم البلدان بأنها "فرضة بلاد عمان".
تعرضت قلهات لهجوم القوات البرتغالية الغازية عام 1507م بقيادة القائد الفونسو دي البوكيرك ثم وقع بها زلزال أتى على ما أبقاه البرتغاليون من دمار .
هذه مقتطفات من محاضرته القيمة . لقد أذهلني اتساع معرفته بالتاريخ العُماني ، كان طلق اللسان يتحدث بلغة انجليزية سليمة ، قال أنه يحمل شهادة عالية لم أسأله عن تفاصيلها.
وصلنا وادي شاب فأطلقنا العنان لأقدامنا نخوض سواقي الماء الذي ظلت ترافقنا أينما اتجهنا . بنظراتي المشدوهة كنت أقيس ارتفاع الجبال المهيب ، ممتعا عيني بأشكالها التي تحلق بالخيال بعيدا .
أما الأشجار الكثيفة على ضفة الوادي كانت منحنية أصلابها كأنها تعبر عن مدى إجلالها للزوار .
كمن فلق صخرة ضخمة بضربة فأس عملاق فأحدث فيها أخدودا عميقا ، هكذا أشبه شكل الوادي .
كلما توغلنا في مجرى الوادي أزداد روعة ، أنه يسحر عقولنا فنواصل مسيرنا في حماس .
مسنا الكد فتوقفنا أمام بركة عظيمة لصفاء مائها يحسب الناظر إليها أنه أمام صفحة من البلور . الصخور التي في قعرها تشع كأنها سبائك فضة ، قال صاحبي :
- الذي يوجد بعد البركة أكثر جمالا منها . أنه منظر طبيعي خلاب .
نظرتُ إليه متعجبا مستفهما ...
ثم استطرد كلامه :
- بعد هذه البركة يوجد كهف واسع المدخل فيه حوض ماء كبير ، يقصده الكثير من السياح إلا أن الوصول إليه يستلزم اجتياز هذه البركة سباحةً .
وجدت نفسي تلقائيا أخلع حقيبتي من كتفي وأفك أزرار قميصي ، قائلا :
- لن أفوت لمسة جماليه في هذه الدولة المكتنزة بالعجائب .
ارتميت في ذلك الماء الدافئ ، ملوحا بيدي هاتفا له بأن يحرس أمتعتي إلى أن أعود .
هذه الطلعة البحرية البرية المثيرة استغرقت أقل من ساعة قضيت فيها وقتا بهيجا .
عند عودتي وجدت الشاب ينتظرني جالسا في استرخاء يجول في صفحات هاتفه ، جففتُ جسدي بشمس الوادي الهادئة ثم ارتديت ملابسي ، قبل أن أهم بالخروج من الوادي التقطت صورة للبركة ومعها صاحبي الشاب ثم قفلنا عائدين من حيث أتينا .
أعتدتُ في كل رحلة أن أجري عقب زيارة كل موقع سياحي بحساب نفقاتي المالية لأدون كم كلفني للوصول إليه ، بقصد إحصاء كامل لتكاليف زيارتي لـعُمان .
ما حدث أني حينما فتحتُ محفظتي انصدمت من هول ما تبين لي ، أعدتُ ضبط نفسي فبحثت مجددا في محفظتي ثم تحسست جيوب ملابسي ونفضت حقيبتي ، فلم أعثر على ما كنت أبحث عنه .
اللعنة ... أين اختفت ؟ هل يعقل أني ضيعتها من إهمال مني ؟
الحقيقة أني فقدت مبلغ قدره 800 يورو ! .
أرجعت ذاكرتي للوراء ربما أنفقتها في أجرة الفندق اليوم أو عند التسوق فيما مضى فلم أجد جوابا شافيا مع أني على ثقة تامة أن هذه المبلغ كان معي هذا الصباح .
كلمت صاحبي بالورطة التي وقعت فيها ، أبدى استغرابه ثم أنه نصحني بالبحث مجددا بروية .
هول الواقعة أعمى بصيرتي و شل تفكيري فبدأت الخواطر السلبية تراودني والظنون تعصف بي ، حتى رحتُ أشكُ في صاحبي فربما فعلها حين كنت أستحم في البحيرة بقصد الوصول إلى الكهف . ألمحتُ له أني أشير إليه بأصابع الاتهام.، جادلته قليلا إلى أن صارحته بوضوح بما يكنه قلبي تجاهه .
ببرود أعصاب أنكر صاحبي فعل السرقة جملة و تفصيلا .
سمع حديثنا رجل كان يتجول في الوادي بمقربة منا ، تدخل بيننا فشرحت له الواقعة .
وجدت من الرجل الصدق في سعيه إلى الإصلاح و الوفاق ، فقد قال كلاما حكيما موجها خطابه لي :
- إن هناك قانونا يحكم هذه الدولة . إن وقع عليك ظلما فأطلب حقك منه .
* * * * * * * *
* القانون :
- لقد أحسنتَ وصف بلدنا عُمان و أظهرتَ إعجابك بطبيعتها وتراثها وامتدحتَ أهلها في أخلاقهم وفي طيب معشرهم ، أرجو أن لا تكون هذه الحادثة كنقطة سوداء في وجه تلك اللوحة المشرقة التي رسمتها في نفسك لعُمان فتمحو بظلمتها جمال صورتها و تخفت نور حسنها ، فتعود إلى بلدك عودة الساخط المتذمر .
* * * * * * * *
* السائح :
- أشبه دولتكم عُمان كـجواد أصيل يعدو في مضمار سباق فانتابته كبوة أو اعترضته عثرة فلم تنتقص من مكانته أو تلوث سمعته ، فظل بعدها محتفظا بألقه متمتعا بشهرة حسنة . أنا في اليوم العاشر في وطنكم الجميل لم أجد ما يسوئني أو يثير انزعاجي ، أكاد أقر أنه لم يقع لي شيئا قط . هذه الحادثة لا تقارن بالذي يحدث في دولتي ، فلا تكاد تمر دقيقة لا تخلو من وقوع جرائم منظمة في الشارع ، كالسرقة أو ابتزاز المال أو القتل المتعمد ، فالبون شاسع و الفرق جلي .
يبدو أن جيوشنا الجرارة وأسلحتنا الفتاكة استطاعت أن تحقق الأمن الخارجي للدولة ، إلا أنها أخفقت في توفير الأمن الداخلي لنا .
عموما ... سأكتب لكم توكيلاً لسيدة تحمل نفس جنسيتي تعمل في شركة نفطية هنا في السلطنة ، عند حصولكم على المال المفقود أرجو تسليمه لها .
ولكم جزيل الشكر والامتنان حكومة و شعبا .
* * * * * * * *
* المتهم :
- أنا أسكن في قرية مجاورة لوادي شاب ، منذ عامين تخرجت من جامعة السلطان قابوس كلية التجارة والاقتصاد ، مر العام الأول ولم أجد وظيفة تناسب مؤهلي و تتوافق مع طموحاتي بعد بحث مضني ما بين ندرة القطاع الحكومي و صرامة القطاع الخاص ثم في العام الثاني حصلت على وظيفة في شركة تسويقية ،إلا أن المهانة ظلت تلاحقني فالراتب الشهري لا يعادل ساعات العمل الطويلة التي أبذل فيها جهدا كبيرا ، كذلك شح الإجازة واحتكار الأجانب في معرفة العمل بهدف الثبات في المناصب والترقي فيها ، ونجثم نحن في الدرك الأسفل من السلم الوظيفي و الخبرة .
ذقت ذرعا بهم فقدمت استقالتي لأبحث عن مستقبل مشرق في مكان آخر .
أبي المتقاعد من الخدمة العسكرية يقضي سحابة نهاره في سيارة الأجرة . حين تهاجمه ألآم الروماتزم التي يعاني منها منذ زمن أتولى عنه البحث عن الرزق بهذه المهنة .
أعترف أني أوصلت السائح الهولندي من مدينة صور إلى وادي شاب ثم رافقته في التجوال داخل الوادي .
أقسم بالله العظيم ... لم أمد يدي إلى نقوده ولم أعبث بحقيبته ولم أفتش ملابسه .
هذا قسمٌ أتحمل عاقبته فالبينة على من أدعى واليمن على من أنكر .
* * * * * * * *
* القانون :
- لعل السائح توهم فقده هذا المبلغ الضخم أو ربما ضيعها في مكان آخر غير هذا الوادي .
يخالجني شك أنه أفتعل هذه الحادثة – مع حسن الظن به في كل الأحوال - ليسترد مبلغ التأمين من الشركة التي أمن بها على رحلته ! .
علماً أن المتهم ليس له سوابق في الأجرام ، كذلك لم يصلنا أي بلاغ من محلات الصرافة عن شخص صرف مثل هذا المبلغ أو قريبا منه بذات العملة في الأيام التي تلت الحادثة .
رجال التحريات الذين أوكلنا لهم مهمة مراقبة المتهم لاحقا ، لم يثبتوا له أفعال تثير الشبهة حوله .
لهذا سأغلق ملف هذه القضية بحجة عدم كفاية الأدلة ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق