الأحد، 8 يناير 2012

قصة ( صخب المدينة )


"  صخب المدينة  "

* يعقوب الريامي .

كانت نظراتنا البريئة تنفذ  تباعا من نوافذ الحافلة لتنـتقي من مناظر العاصمة ما يشبع فضولنا و يسر مُهجنا ، حتى السيارات وهي تمخر الشارع كانت تثير إعجابنا لأن بعضها غريب شكله و صارخ لونه فنحدق فيهن حتى تتوارى بالحجاب ، فأغلبنا هي المرة الأولى التي تطأ قدمه هذه المدينة .
انفلت عقال السحر الذي أحاطته المدينة بنا بزخرفها و مفاتنها بعدما استفقـنا على مشهد سيارة مسرعة داهمتنا بغتة من الخلف ، ما انفك صاحبها يلاحقنا بصرخات بوقه الهادرة و ومضات مصابيحه الساطعة ويده التي يلوح بها بعنف كأنه يبعث لنا رسالة مستعجلة يطلب فيها التوقف الإجباري حالا . 
السؤال الذي تقرأه على وجوهنا المشدوهة ماذا يريد هذا الرجل ؟
تسارعت الأحداث بحدة فصاحب السيارة يقترب منا أكثر إلى أن صار بمحاذاتنا . استبد بنا الرعب وهو يدفع بسيارته أمام الحافلة ليسد علينا الطريق . بتهوره المفرط  يكاد يصطدم بنا ! .
استنفرنا جميع حواسنا نرصد تداعيات ما يحدث .
بعد عدة لحظات مثقلة بالتوتر انحرف السائق بالحافلة عن خط سيرها وأوقفها خارج الشارع ثم تبعنا الرجل كقـناص يتقصى أثر صيده .
انقـذف من سيارته فإذا به على مشارف العقد الخامس من العمر – هكذا أحسبه – ممتلئ الجسم يخالط الشيب لحيته الكثة يعتمر عمامة ملونة تفيض من هيئته إمارات الوجاهة و الهيبة . تقدم إلينا يحثّ الخطى معقود الحاجبين منتفخ الأوداج ضاغطا بأصابع يمينه على عصا غليظة ، أنفاسه الملتهبة تكشف غضبه الشديد ، ما أن واجهنا حتى صرخ شاهرا عصاه :
-  سأعلمه الأخلاق بنفسي سألقنه التربية ... أحضروه إليّ . 
ترجّل له أستاذ اللغة العربية وهو من الجنسية المصرية عرفناه بسعة صدره وهدوئه الذي ينم عن حكمة مخاطبا إياه بلطف محاولا أطفأ جمرة غضبه ليعرف حقيقة مقصده .
اندلق لسان الرجل الثائر يهدد و يتوعد محملا الهيئة التدريسية تبعة انفلات الطلاب ومجرما الرقابة الأسرية فشلها في المتابعة مطالبا برد الحقوق .
كنا نسمع كلماته الجارحة ولا ندري ما قضيته أو ما سبب هيجانه العارم .

*  *  *  *  *  *
في هذه الدقائق الصاخبة اختلستُ النظر في سيارة الرجل الموتور فوجدتها ضخمة من نوع الدفع الرباعي ثم توغلتُ ببصري إلى جوفها فتراءى لي شبح فتاة مرتدية الزي المدرسي جالسة في المقعد الأمامي خافضة رأسها على استحياء .
رحتُ أربط خيوط ما يحدث فكأني وضعت أصبعي على الجرح ويبدو أني حزت قصب السبق في ذلك بيد أن هناك حلقة مفقودة لم أعثر عليها جعلتني لا أفقه ما يحدث على الوجه الصحيح .
كلما شد الرجل أرخى أستاذنا امتثالا بشعرة معاوية ، قال الأول بحنق :
-  لا أرضى إلا بالشرطة تحكم بيننا .
رد أستاذنا وهو يكبت انفعاله وقد عجز عن فهم ما يريد :
-  في ماذا تحكم الشرطة ؟ ونحن إلى الآن لم تنبيّن قضيتك .
قال وعيناه تقدحان بالشرر :
-  قضيتي هي الشرف و العرض . أحد الطلاب ممن يجلسون في المقعد الخلفي سولت له نفسه التقاط  صورة لابنتي وهي معي في السيارة !.
سرت رعدة في بدني مخافة أن أتهم بذلك إلا أني تنبهت سريعا على حقيقة أني لا أملك آلة تصوير حينئذ فتنفست الصعداء .
عندها نفخ أستاذنا الهواء من صدره متمتما بكلمات الاستغفار كمن أزاح عن كاهله حملا ثقيلا ، إذ  كان يظن أن القضية أكبر من ذلك بكثير – هكذا يبدو لي -  صمت قليلا ثم قال :
-  هؤلاء أبناؤك طلاب المعهد الإسلامي في المرحلة الإعدادية يمرون بفترة مراهقة ربما يأخذهم الطيش فيرتكبون حماقات لا يدركون عواقبها ، توقف لحظات مرسلا نظرات استعطاف ثم أردف :
-  فنطلب منك أن تعفو عنه أو أن نحل الأمر بيننا بعيدا عن الشرطة .
رد ساخرا : لن تشفع لهم إسلامية المعهد ولا مراهقة يمكن تقويمها بالعصا ، لن أتنازل عن إبلاغ الشرطة .
أطرق أستاذنا يتدبر الأمر في عقله ، إلى أن برقت في ذهنه فكرة فعاجل في تنفيذها ... 
طلب آلات التصوير من جميع الطلاب الجالسين في المقعد الخلفي فأحضرت له واحدة فقط وهي الوحيدة التي يمتلكها زميلي الذي كان يجلس بجانبي وقد بدت عليه علامات الاضطراب . 
امتدت أصابعه تعبث بها انتشل ( الفيلم ) من مخبئه وأسقطه أرضا ثم رفع قدمه اليمني وأنزلها عليه بقوة .
دبت حالة من السكون في الجميع اخترقتها أصوات السحق و التحطيم حتى جعله جذاذا.
قال أستاذنا بعد ذلك :
-  نعتذر إليك مما بدر منا ونأمل أن ترضى بحكمنا لا بحكم الشرطة .
تغيرت ملامح وجهه و زاغت نظراته كمن ألقم حجرا ، رجع إلى الخلف قليلا ثم ظل صامتا ولم يكشف رأيا فيما حدث ، غير أنه هز رأسه إشارة على قبوله .

ظلت عيوننا تتـبعه وهو يولي دبره ، وذيلا من الغبار يتكوم خلفه .

*  *  *  *  *  *

خشعت الأصوات في الحافلة وهي تواصل مسيرها فلا تكاد تسمع إلا همسا ، تارة نحاسب أنفسنا سائلين هل لنا يد في تلك الزلة الآثمة ؟ وتارة نترقب كلمة أستاذنا التي ربما تحمل تأنيبا لزميلنا أو نصيحة للجميع .
التفتُ إلى زميلي المنكوب بفقدان صوَرِه والمتهم بفضيحة يندى لها الجبين ، وجدته عابس الوجه مكدّر النفس ، قلت له :
-  هوّن عليك ... ثم سألته معاتبا ، لِـمَ فعلت ذلك ؟
حدجني بطرفه ثم قال بنبرة المظلوم الحزين :
-  قصدتُ التقاط صورة لبوابة مسقط أثناء مرورنا من خلالها ، إلا أن توافق القدر جعل هذا الأب الغيور يظهر من خلفنا ، فظن بي ظن السوء ! .

قصة ( فصبرٌ جميل )


"  فصبرٌ جميل "

* يعقوب الريامي .

في صباح يوم ندي مفعم بأنس الزوجة و بهجة طفلنا الرضيع قدمنا إلى تلك بالمدينة للتنزه و التسوق معا .
انطلقنا نجوس خلال معالمها من منظر طبيعي انشرحت صدورنا لجماله إلى معلم تاريخي تنفسنا فيه عبق الماضي و استذكرنا منه أمجاد الأولين ثم حديقة كحلنا أعـيننا ببساطها الأخضر و تأملنا شجيراتها المشذبة بإتقان .
في وقت الظهيرة تناولنا لقيمات يقمن صلبنا بعدها أحسسنا بالنصب يثقل علينا فجذوة نشاط الصباح قاربت على الانطفاء فكان لا بد من سقف يضلنا ومأوى يجمعنا للاسترخاء .
نبشتُ في رفات ذاكرتي لأسماء فنادق أحتفظ بها سابقا فلم يرق لي أحدهن . فبينما أسير في الشارع الحالك لاح أمام ناظري فندق استحسنته لجمال مظهره الخارجي بألوانه الزاهية و شموخ بنائه وسوره المهيب ، كذلك  موقعه المناسب إذ إنه يقبع بجانب الشارع الرئيس وهذا بالتأكيد سيّسر لي التنقل منه وإليه .

رسمت موظفة الاستقبال على ثغرها ابتسامة تجارية وهي تسلمني مفتاح الغرفة فبادلتها برضا يفيض ملامحه من وجهي .

* * * * * * *

في الطابق الثاني كانت غرفتي ...
بعد دخولنا الغرفة أبدت زوجي ممانعتها في تشغيل جهاز التكييف مخافة أن يصاب طفلنا الرضيع بالبرد ، وافقتها على طلبها وبما أن الجو ليس حارا في تلك الفترة عملتُ على تشغيل تلك الكتلة الحديدية ذات الأجنحة الثلاثة المتدلية من السقف و فتح النوافذ على مصراعيها حتى يتلطف جو الغرفة مع إسدال الستائر إلا قليلا لتكون الغرفة شبه مظلمة وهذا أجدى لطلب النوم .
وما هي إلا لحظات حتى هاجمتنا أصوات السيارات الذاهبة و الآتية بهدير محركاتها و صراخ أبواقها فأحسست به كأنه أزيز رصاص يصم الآذان و يوتر الأعصاب .
عندها أدركت ماذا يعني أن يكون الفندق على بعد مرمى حجر من الشارع الرئيس ؟ .
بينما أنا على هذا الحال أغالب النوم أتقلب على السرير ذات اليمين و ذات الشمال إذ بضجيج يعلو متدرجا في شدته رجحـتُ أن مصدره في الساحة الخارجية للفندق ، من باب الفضول رفعت ستار إحدى النوافذ المطلة على الساحة بقدر ما تتسنى لي الرؤية .
المفاجأة الغريبة كانت ناقلة لشفط مياه المجاري ! . أن أحتمل صوتها المزعج فهذا أمر مقدور عليه لكن أن أصبر على الرائحة التي تزكم الأنوف فهذا أمر لا يطاق البتة .
رحتُ أرقب بحذر تلوث هواء الغرفة ولله الحمد لم يحدث شيء .
كنت أعجب من هذا الفعل ألم يجدوا وقتا آخر للقيام بهذا غير الآن والنزلاء  نيام ؟




بعد أقل من ساعة سمعت نباح كلب مقرف حسبت أنه داخل الغرفة من شدة علو صوته , دفعت نفسي إلى النافذة لأختلس النظر بنفس الحركة السابقة فلم أجد له أثراً فقد اختفى وصوته معه .
قبيل العصر اضطربت أعضائي لصوت دوي عظيم جاء على حين غرة , إنه صوت مرور طائرة ركاب لأن المطار يبعد بضعة كيلومترات من الفندق .
والآن أدركت مرة أخرى ماذا يعني أن يكون الفندق على مقربة من المطار ؟ .
الذي أغاضني أن زوجي و طفلي يغطان في نوم عميق وأنا أعاني من يقظة مؤلمة . استلقيتُ أُشتت بصري في فضاء الغرفة ، حينها تذكرت قريتي الوادعة وبيتي الذي تملؤه السكينة فتاقت نفسي إليه لأنعم فيه بنوم هادئ .

* * * * * *

حان وقت صلاة العصر فاتجهت إلى دورة المياه .
أدرت مفتاح الصنبور فلم يخرج الماء , انتظرت قليلا ثم انساب الماء على شكل قطرات متتابعة كنظام الري الحديث ( التقطير ) . قلت في نفسي ساخرا لعل شبكة مياه الفندق موصولة بخزان موجود في مجاهل أفريقيا ففي موسم الجفاف هناك يتناقص الماء هنا .
بعد الصلاة أيقظتُ زوجي , ومن ثم مددت لها يد العون في إعادة ترتيب السرير . بالنظر البسيط لغطاء السرير تبين لنا أنه مستهلك وما يدل على ذلك ألوانه الآخذة في الزوال و خيوطه المتحررة .
خدمة القنوات الفضائية هي أيضا لم تسلم من النقائص فجهاز التحكم في الصوت لا يعمل بشكل دقيق , إن زدته درجه واحدة يمج أسماعنا لصوته العالي وإن أنقصته درجه فلا نكاد نسمع إلا همسا .

* * * * * * *

قبل غروب الشمس خرجنا لإكمال ما تبقى من مخطط الرحلة .
بعد الساعة العاشرة ليلا عدنا أدراجنا إلى الفندق . ما كدنا ندخله حتى خُـيل إليّ أننا أخطأناه ، فالموسيقى الصاخبة  وكلمات الغناء الهادرة تضج لها ردهات الفندق .
قضيت ليلتي متأرقا أندب حظي في هذا الاختيار .

عند مغادرتي للفندق في صباح اليوم التالي ، لمع من عين الموظفة ضوء عجيب ...
لا أدري ما تأويله ! .

قصة ( ممنوع التجاوز )


" ممنوع التجاوز "

* يعقوب الريامي .

ظلت تلح عليه في اصطحابها إلى المجمع التجاري ، كان يعتذر لها بقلة ما في يده ، فأقساط الدين تنهش راتبه لحظة استلامه وتكاليف المعيشة اليومية تأكل ما تبقى منه .
رق قلبه لتوسلاتها البريئة فاستجاب لها محتسبا سعة الرزق من الله ،  ملزما إياها بشرط أن لا تتجاوز قيمة المشتريات عشرين ريال ، فهي حصيلة ادخاره لعدة شهور مضت .
قبلت شرطه على مضض على أن هذه الريالات لا تشبع غرور امرأة مولعة بالتسوق ، إذ تجد فيه متعة كبيرة .
ما أن استقر لها المقام في المجمع حتى رأت البضائع عن يمينها و شمالها ومن أمامها ومن خلفها وقد تزينت في إغراء ، فتحركت غريزتها الأنثوية تلتقط  بنهم ما حسن فائدته من كماليات و جمل لونه من أقمشة .
بعد حين أدرك الزوج أن ناقوس الخطر يدق أمامه فالمبلغ المشروط عليها قد بدأت في تجاوزه ، فأخذ يذكرها بلطف بالاتفاق المبرم بينهما ، وهي تتجاهله مقطبة الجبين .
عندها عزم على التحرك قبل أن يتسع الخرق على الراقع  . فشرع يرجع بعض ما اختارته من بضائع من عربة التسوق إلى مكانه ، وهي تندب حظها على فاقة زوجها .

نضجت عملية الشراء على نار ليست هادئة ! . 
تقدم الزوج يدفع العربة منتصرا فقد كبح جماح هوى زوجته لتمكنه من تقنين كمية المشتريات بسلاسة . وضع البضائع أمام المحاسب وبدوره أخذ يجمع قيمتها ، ما كاد يتم المحاسب عمله إذ به يلتفت إلى الزوج بوجه تملئه الغبطة وعلى شفتيه ابتسامة صادقة .
قال المحاسب : مبارك عليك ... لقد فزت بعربة تسوق مجانية .
غمرت الزوج فرحة لامست شغاف قلبه ، بينما تمعر وجه الزوجة غيظا ! .   

في السيارة اندفعت تسلقه بلسان حداد ، تؤنبه على قبضته الحديدية في تحديد مبلغ التسوق وتلومه على تزمته في التوسع في الشراء . متهمتا إياه بقلة توكله على الله .
من جملة ما قالته : لو ملأنا العربة لفزنا فوزا عظيما .

ظل يسمع كلماتها النارية في صمت الحكماء ...
حين هدأت ثورتها ، قال :

لو كنت أعلم غيب مجانية عربة التسوق لاستكثرت من خير الشراء وما مسني سوء لسانك ، فأنا لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله .

قصة ( ظُـلمات )


"  ظُــلمات  "

* يعقوب الريامي .

تبيّن لأهالي القرية الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، فحثّوا الخطى  بقلوب واجفة إلى مزارعهم فصعقوا لمشاهد مفجعة . هذا وجد باب حظيرته محطمة دعائمه وتخريبا في ممتلكاته ، وذاك ظل ينظر بشفقة إلى بعيره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وعضة بارزة على جسده ، وراح أحدهم يتفحص نبض عددٍ من أغنامه بعدما وجدها صرعى ، فقد انهزمت في الدفاع عن نفسها من غائلة الثعالب المسعورة .
الهاجس الذي يقلق المزارعين و أمسى مادة حديث مجالسهم هو انتشار الثعالب الهائجة التي يقرصها قرّ الليالي وينهشها شبح الجوع ، فتندفع في نزق باتجاه مساكن القرية فتعيث فسادا في مزارعهم .

*  *  *  *  *  *

يرتشف الشيخ سالم شاي العشاء في استرخاء ، متأملا أحداث نهاره ومخططا لأعمال غده ، فهو من ألمع المزارعين في القرية لتحمله مسؤولية تقسيم مياه الفلج بينهم وأحد المهتمين بقضية الثعالب . فكثيرا ما يسأل و يتقصى أخبارها ، إرشاداته مستمرة وتوجيهاته متواصلة لأهل بيته ولرجال القرية بوجوب أخذ الحذر و التصدي لها إن لزم الأمر .
بيته المتواضع يتوسط مزرعته الكبيرة .

أزفت صلاة العشاء فذهب ليسبغ الوضوء على المكاره موليا وجهه شطر بيت الخلا القابع في الساحة الخلفية للبيت . كانت الرؤية شحيحة و الأشياء غير واضحة المعالم فالساحة تفتـقد إلى مصباح خاص.
بعد فترة وجيزة سمع أصواتا غامضة ، فانتصب ساكنا مرهفا سمعه مجتهدا في فك رموزها إلا أنه أخفق في ذلك . قرر أن يبحث عن منبع الصوت ، فأرسل نظراته الفاحصة في كل موضع ظهرت له أشياء كثيرة أمام عينيه .
ما شدّ انتباهه بساط مفروش في زاوية من الساحة اعتادت صديقات زوجته الجلوس عليه في وقت العصر . أمعن النظر فيه فأدرك أن شيء ما يتحرك تحته .
تكوّم بارز من البساط ألهمه التأكد التام .
ماذا يكون تحت البساط ؟ سؤال أثار الحيرة في عقل الشيخ سالم فتوقعاته متضاربة وتخميناته متناقضة طال به التفكير .
وإنه لكذلك إذ تبرق في ذهنه شكوك أشعلت الغضب في صدره وفجرت حقده الدفين . أخذ يحدث نفسه في حنق مكبوت وعينين يتطاير منهما سهام الانتقام  ...
ربما يكون ثعلبا قذرا، تسوره للساحة ليست معضلة أمامه ووجوده تحت البساط طلبا للدفء ، بالتأكيد هو .


*  *  *  *  *  *


اقـتنع بواقعية تحليله , فما كان منه إلا أن أحكم القبضة على عصاه الغليظة قاصدا إزهاق روحه . استجمع كل قواه فسدد ضربة عنيفة أحس منها أنه يضرب شيئا طريا فازداد يقينا على يقين .

توقف بعد عدة ضربات شديدة و متوالية .
شعور جميل يتملك نفسه و يهز كيانه ويبحر به في أمواج أحلام اليقظة التي تنسج له خيالا منعشا . ذلك بأنه أنجز عملا عظيما وسيكون مفخرة بين أهالي قريته وستنهال عليه كلمات الإطراء للباقته و صواب اتخاذه القرار الجريء ، ثم تحبك هذه الحادثة على شكل قصة مثيرة يتـناقلها الناس إلى أقصى مكان .
رفع بيده المنتشية بالإعجاب البساطَ الملطخَ بالدماء فانكشفت له الضحية .
اقترب منها أكثر ثم حدق فيها لبرهة  .

سوء القدر أشهقه شهقة مدوية . كاد قلبه أن ينفطر من هول ما رأى ، اكتملت ظلمة الوجود أمام عينيه وضاقت عليه الأرض بما رحبت . لم يستطع أن يسيطر على يديه اللتين ترتجفان ورجليه اللتين أصابهما الخور فسقط كالقتيل مستندا على السور .

بكلمات يخنقها البكاء كان يردد اسم طفله الصغير ! .