" فصبرٌ جميل "
* يعقوب الريامي .
في صباح يوم ندي مفعم بأنس الزوجة و بهجة طفلنا الرضيع قدمنا إلى تلك بالمدينة للتنزه و التسوق معا .
انطلقنا نجوس خلال معالمها من منظر طبيعي انشرحت صدورنا لجماله إلى معلم تاريخي تنفسنا فيه عبق الماضي و استذكرنا منه أمجاد الأولين ثم حديقة كحلنا أعـيننا ببساطها الأخضر و تأملنا شجيراتها المشذبة بإتقان .
في وقت الظهيرة تناولنا لقيمات يقمن صلبنا بعدها أحسسنا بالنصب يثقل علينا فجذوة نشاط الصباح قاربت على الانطفاء فكان لا بد من سقف يضلنا ومأوى يجمعنا للاسترخاء .
نبشتُ في رفات ذاكرتي لأسماء فنادق أحتفظ بها سابقا فلم يرق لي أحدهن . فبينما أسير في الشارع الحالك لاح أمام ناظري فندق استحسنته لجمال مظهره الخارجي بألوانه الزاهية و شموخ بنائه وسوره المهيب ، كذلك موقعه المناسب إذ إنه يقبع بجانب الشارع الرئيس وهذا بالتأكيد سيّسر لي التنقل منه وإليه .
رسمت موظفة الاستقبال على ثغرها ابتسامة تجارية وهي تسلمني مفتاح الغرفة فبادلتها برضا يفيض ملامحه من وجهي .
* * * * * * *
في الطابق الثاني كانت غرفتي ...
بعد دخولنا الغرفة أبدت زوجي ممانعتها في تشغيل جهاز التكييف مخافة أن يصاب طفلنا الرضيع بالبرد ، وافقتها على طلبها وبما أن الجو ليس حارا في تلك الفترة عملتُ على تشغيل تلك الكتلة الحديدية ذات الأجنحة الثلاثة المتدلية من السقف و فتح النوافذ على مصراعيها حتى يتلطف جو الغرفة مع إسدال الستائر إلا قليلا لتكون الغرفة شبه مظلمة وهذا أجدى لطلب النوم .
وما هي إلا لحظات حتى هاجمتنا أصوات السيارات الذاهبة و الآتية بهدير محركاتها و صراخ أبواقها فأحسست به كأنه أزيز رصاص يصم الآذان و يوتر الأعصاب .
عندها أدركت ماذا يعني أن يكون الفندق على بعد مرمى حجر من الشارع الرئيس ؟ .
بينما أنا على هذا الحال أغالب النوم أتقلب على السرير ذات اليمين و ذات الشمال إذ بضجيج يعلو متدرجا في شدته رجحـتُ أن مصدره في الساحة الخارجية للفندق ، من باب الفضول رفعت ستار إحدى النوافذ المطلة على الساحة بقدر ما تتسنى لي الرؤية .
المفاجأة الغريبة كانت ناقلة لشفط مياه المجاري ! . أن أحتمل صوتها المزعج فهذا أمر مقدور عليه لكن أن أصبر على الرائحة التي تزكم الأنوف فهذا أمر لا يطاق البتة .
رحتُ أرقب بحذر تلوث هواء الغرفة ولله الحمد لم يحدث شيء .
كنت أعجب من هذا الفعل ألم يجدوا وقتا آخر للقيام بهذا غير الآن والنزلاء نيام ؟
بعد أقل من ساعة سمعت نباح كلب مقرف حسبت أنه داخل الغرفة من شدة علو صوته , دفعت نفسي إلى النافذة لأختلس النظر بنفس الحركة السابقة فلم أجد له أثراً فقد اختفى وصوته معه .
قبيل العصر اضطربت أعضائي لصوت دوي عظيم جاء على حين غرة , إنه صوت مرور طائرة ركاب لأن المطار يبعد بضعة كيلومترات من الفندق .
والآن أدركت مرة أخرى ماذا يعني أن يكون الفندق على مقربة من المطار ؟ .
الذي أغاضني أن زوجي و طفلي يغطان في نوم عميق وأنا أعاني من يقظة مؤلمة . استلقيتُ أُشتت بصري في فضاء الغرفة ، حينها تذكرت قريتي الوادعة وبيتي الذي تملؤه السكينة فتاقت نفسي إليه لأنعم فيه بنوم هادئ .
* * * * * *
حان وقت صلاة العصر فاتجهت إلى دورة المياه .
أدرت مفتاح الصنبور فلم يخرج الماء , انتظرت قليلا ثم انساب الماء على شكل قطرات متتابعة كنظام الري الحديث ( التقطير ) . قلت في نفسي ساخرا لعل شبكة مياه الفندق موصولة بخزان موجود في مجاهل أفريقيا ففي موسم الجفاف هناك يتناقص الماء هنا .
بعد الصلاة أيقظتُ زوجي , ومن ثم مددت لها يد العون في إعادة ترتيب السرير . بالنظر البسيط لغطاء السرير تبين لنا أنه مستهلك وما يدل على ذلك ألوانه الآخذة في الزوال و خيوطه المتحررة .
خدمة القنوات الفضائية هي أيضا لم تسلم من النقائص فجهاز التحكم في الصوت لا يعمل بشكل دقيق , إن زدته درجه واحدة يمج أسماعنا لصوته العالي وإن أنقصته درجه فلا نكاد نسمع إلا همسا .
* * * * * * *
قبل غروب الشمس خرجنا لإكمال ما تبقى من مخطط الرحلة .
بعد الساعة العاشرة ليلا عدنا أدراجنا إلى الفندق . ما كدنا ندخله حتى خُـيل إليّ أننا أخطأناه ، فالموسيقى الصاخبة وكلمات الغناء الهادرة تضج لها ردهات الفندق .
قضيت ليلتي متأرقا أندب حظي في هذا الاختيار .
عند مغادرتي للفندق في صباح اليوم التالي ، لمع من عين الموظفة ضوء عجيب ...
لا أدري ما تأويله ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق