" هل كانوا يفكرون مثلي ؟ "
* يعقوب الريامي .
في جلسة سمر جمعتني بأترابي ، نشرنا أشرعة مراكب حديثنا لنمخر بها عباب بحر قضايانا المتجددة ، لعلها ترسو على شاطئ نتنفس فيه نسيم الأنس و الفائدة ، فتباينت مشاعرنا تبعا لنوعها ، فحين ذكرنا معوقات استقرارنا الوظيفي وعرضنا طموحاتنا الكبيرة التي تتجاوز إمكانياتنا الصغيرة ، ضاقت صدورنا فلم نجد غير الله نسأله ليجعل لنا من كل عسر يسرا ، وحين عددنا النعم التي نمتلكها و مباهج الحياة التي تحيط بنا ، امتلأت قلوبنا حبورا وتعاهدنا أن نُضيء شمعة السعادة من داخل أنفسنا لا أن نبحث عنها من الخارج ، وحين تقصينا أزمات أمتنا اختلفنا في ذكر أسباب تقهقرها وكذلك الحلول من أجل نهضتها، فلما استيأسنا خلصنا نجيا بأننا أمة تقول كثيرا وتفعل قليلا .
اقترحت على زملائي مشاهدة التلفاز ، هذا الساحر الأليف الذي يُخيل إلي الناس من صوره أنه كائن بارع ، فصار يوجه عقولهم و يحدد رغباتهم ، فأسكنوه مساكنهم ، يأكلون أمامه و يسهرون بقربه .
من جملة ما تابعناه خبر تورط رئيس حزب سياسي بدولة أروبية ، في فساد مالي و معاملات غير قانونية . الخبر محمل بتغطية مصورة ، توضح ردة فعل أعضاء الحزب لذلك ، وتفاصيله كالتالي :
رئيس الحزب يخرج من مقره في البناية الخاصة به ، وفي الخارج تنتظره سيارة لتقله إلى حيث يريد ، وجموع من المتظاهرين في الشارع رجالا و نساء يهتفون و يرفعون شعارات مناهضة للرئيس ، ويحذفونه بأشياء صغيرة ، وشرطة مكافحة الشغب تعمل جاهدة لمنع تقدم الحشود الغاضبة ، و ترد المقذوفات المتطايرة باتـجــاه الرئـيس ومجموعته .
تلك التغطية ، شدة انتباهنا ، لما فيها من الحركة و الإثارة .
حينما انتقل المذيع إلى خبر آخر ، لاح في ذهني سؤال فبادرت بطرحه على زملائي ، بعد ما جمعت شتات أفكارهم وجذبت أنظارهم إليّ ، فقلت لهم :
- من خلال أحداث المشهد الذي عرض قبل قليل ، أجيبوني بكل صراحة ...
ما الذي كنتم تفكرون فيه حين مشاهدتكم له ؟
ران الصمت على الجميع ، وهم ينظرون إليّ بغرابة ...
فاستطردت قائلا :
- أنا أعلم أن لكل منكم إجابة مختلفة عن الآخر ، وهذا ما أصبو إلى معرفته .
بدأ الجميع في تحديد الإجابة ، بعد حديث النفس و محاورة العقل ، مستعيدين أحداث المشهد في ذاكرتهم ، فكان ردهم ...
قال الأول حالماً :
- تلك السيارة الفارهة التي كانت تنتظر الرئيس ، هي التي أثارة تفكيري ، أرأيتم لونها الجذاب ؟ ، كم آمل أن أمتلك مثلها .
الثاني بحماس :
- كان مجمل اهتمامي هو إطالة النظر في ملابس شرطة مكافحة الشغب و نوعية الأدوات التي يحملونها ، المظاهرة الواحدة تمثل لهم نموذجا لحرب مصغره ، ألستم معي في هذا الرأي ؟ .
الثالث خلع قبعته وحك شعر رأسه ، وقال على استحياء :
- لم أستطع أن أغض بصري عن الفتيات الجميلات المشاركات في المظاهرة !.
الرابع والأخير ... بكل برود :
لم يلفت انتباهي أي شي ، فهذه ليست أول مظاهرة أشاهدها .
بعدها احتدم بيننا نقاش حول أراء كل واحد منا و تبادلنا وجهات النظر ، هذا يبرر إجابته و ينافح عنها وذاك يتندر بكلام صاحبه من باب الدعابة و المزاح البريء .
وجه أحدهم كلامه لي ، طالبا معرفة إجابتي ، وما سبب سؤالي هذا ؟
فــــقــــلــت :
- عندما يُعطى الرئيس المنتخب من قِـبَل أنصاره ميثاق القيادة ، ثم يكتشفون بعدئذ أنه ليس جديرا بالثقة ولا أهلا لتحمل العهد ، فإن هناك احتمالات عديدة لذلك .
إما أن الناخبين قد انخدعوا به بسبب الدعاية الإعلامية المظلة التي لمعت صورته فأظهرته قائدا ناجحا أو أن سلطة المنصب غرته لاحقا ، فالتبس به الطمع فراح يتـتبع المال من غير حله ، مقدما مصلحته الفردية على الجماعة .
الوفاق بين الراعي و الرعية لا يتم إلا بتطبيق قانون العدل الذي يرتضيه الطرفان مع تشريع هيئة خاصة تراقب الراعي ، فإن بانت تجاوزاته و شاع عبثه عملت على محاسبته ، فإن امتنع فالصراع مستمر بينهما .
والرعية وإن أشتد قمعهم و طال سكوتهم ، فبركان الثورة قادم لا محالة .
وصورة خروج الرئيس من مقره ، ارتسمت في نظري كالبعير الأجرب الذي تركته القبيلة لمرضه ، والأيدي التي ترميه هي صرخة في وجه الخيانة ورغبة حازمة في البديل الأمين ، والشرطة تبذل قصارى جهدها لتجعل من الفوضى نظاما... فمتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟.
كل هذه الأفكار كانت تعترك في رأسي ، فسألت نفسي ...
هل كان زملائي يفكرون مثلي ؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق