" صخب المدينة "
* يعقوب الريامي .
كانت نظراتنا البريئة تنفذ تباعا من نوافذ الحافلة لتنـتقي من مناظر العاصمة ما يشبع فضولنا و يسر مُهجنا ، حتى السيارات وهي تمخر الشارع كانت تثير إعجابنا لأن بعضها غريب شكله و صارخ لونه فنحدق فيهن حتى تتوارى بالحجاب ، فأغلبنا هي المرة الأولى التي تطأ قدمه هذه المدينة .
انفلت عقال السحر الذي أحاطته المدينة بنا بزخرفها و مفاتنها بعدما استفقـنا على مشهد سيارة مسرعة داهمتنا بغتة من الخلف ، ما انفك صاحبها يلاحقنا بصرخات بوقه الهادرة و ومضات مصابيحه الساطعة ويده التي يلوح بها بعنف كأنه يبعث لنا رسالة مستعجلة يطلب فيها التوقف الإجباري حالا .
السؤال الذي تقرأه على وجوهنا المشدوهة ماذا يريد هذا الرجل ؟
تسارعت الأحداث بحدة فصاحب السيارة يقترب منا أكثر إلى أن صار بمحاذاتنا . استبد بنا الرعب وهو يدفع بسيارته أمام الحافلة ليسد علينا الطريق . بتهوره المفرط يكاد يصطدم بنا ! .
استنفرنا جميع حواسنا نرصد تداعيات ما يحدث .
بعد عدة لحظات مثقلة بالتوتر انحرف السائق بالحافلة عن خط سيرها وأوقفها خارج الشارع ثم تبعنا الرجل كقـناص يتقصى أثر صيده .
انقـذف من سيارته فإذا به على مشارف العقد الخامس من العمر – هكذا أحسبه – ممتلئ الجسم يخالط الشيب لحيته الكثة يعتمر عمامة ملونة تفيض من هيئته إمارات الوجاهة و الهيبة . تقدم إلينا يحثّ الخطى معقود الحاجبين منتفخ الأوداج ضاغطا بأصابع يمينه على عصا غليظة ، أنفاسه الملتهبة تكشف غضبه الشديد ، ما أن واجهنا حتى صرخ شاهرا عصاه :
- سأعلمه الأخلاق بنفسي سألقنه التربية ... أحضروه إليّ .
ترجّل له أستاذ اللغة العربية وهو من الجنسية المصرية عرفناه بسعة صدره وهدوئه الذي ينم عن حكمة مخاطبا إياه بلطف محاولا أطفأ جمرة غضبه ليعرف حقيقة مقصده .
اندلق لسان الرجل الثائر يهدد و يتوعد محملا الهيئة التدريسية تبعة انفلات الطلاب ومجرما الرقابة الأسرية فشلها في المتابعة مطالبا برد الحقوق .
كنا نسمع كلماته الجارحة ولا ندري ما قضيته أو ما سبب هيجانه العارم .
* * * * * *
في هذه الدقائق الصاخبة اختلستُ النظر في سيارة الرجل الموتور فوجدتها ضخمة من نوع الدفع الرباعي ثم توغلتُ ببصري إلى جوفها فتراءى لي شبح فتاة مرتدية الزي المدرسي جالسة في المقعد الأمامي خافضة رأسها على استحياء .
رحتُ أربط خيوط ما يحدث فكأني وضعت أصبعي على الجرح ويبدو أني حزت قصب السبق في ذلك بيد أن هناك حلقة مفقودة لم أعثر عليها جعلتني لا أفقه ما يحدث على الوجه الصحيح .
كلما شد الرجل أرخى أستاذنا امتثالا بشعرة معاوية ، قال الأول بحنق :
- لا أرضى إلا بالشرطة تحكم بيننا .
رد أستاذنا وهو يكبت انفعاله وقد عجز عن فهم ما يريد :
- في ماذا تحكم الشرطة ؟ ونحن إلى الآن لم تنبيّن قضيتك .
قال وعيناه تقدحان بالشرر :
- قضيتي هي الشرف و العرض . أحد الطلاب ممن يجلسون في المقعد الخلفي سولت له نفسه التقاط صورة لابنتي وهي معي في السيارة !.
سرت رعدة في بدني مخافة أن أتهم بذلك إلا أني تنبهت سريعا على حقيقة أني لا أملك آلة تصوير حينئذ فتنفست الصعداء .
عندها نفخ أستاذنا الهواء من صدره متمتما بكلمات الاستغفار كمن أزاح عن كاهله حملا ثقيلا ، إذ كان يظن أن القضية أكبر من ذلك بكثير – هكذا يبدو لي - صمت قليلا ثم قال :
- هؤلاء أبناؤك طلاب المعهد الإسلامي في المرحلة الإعدادية يمرون بفترة مراهقة ربما يأخذهم الطيش فيرتكبون حماقات لا يدركون عواقبها ، توقف لحظات مرسلا نظرات استعطاف ثم أردف :
- فنطلب منك أن تعفو عنه أو أن نحل الأمر بيننا بعيدا عن الشرطة .
رد ساخرا : لن تشفع لهم إسلامية المعهد ولا مراهقة يمكن تقويمها بالعصا ، لن أتنازل عن إبلاغ الشرطة .
أطرق أستاذنا يتدبر الأمر في عقله ، إلى أن برقت في ذهنه فكرة فعاجل في تنفيذها ...
طلب آلات التصوير من جميع الطلاب الجالسين في المقعد الخلفي فأحضرت له واحدة فقط وهي الوحيدة التي يمتلكها زميلي الذي كان يجلس بجانبي وقد بدت عليه علامات الاضطراب .
امتدت أصابعه تعبث بها انتشل ( الفيلم ) من مخبئه وأسقطه أرضا ثم رفع قدمه اليمني وأنزلها عليه بقوة .
دبت حالة من السكون في الجميع اخترقتها أصوات السحق و التحطيم حتى جعله جذاذا.
قال أستاذنا بعد ذلك :
- نعتذر إليك مما بدر منا ونأمل أن ترضى بحكمنا لا بحكم الشرطة .
تغيرت ملامح وجهه و زاغت نظراته كمن ألقم حجرا ، رجع إلى الخلف قليلا ثم ظل صامتا ولم يكشف رأيا فيما حدث ، غير أنه هز رأسه إشارة على قبوله .
ظلت عيوننا تتـبعه وهو يولي دبره ، وذيلا من الغبار يتكوم خلفه .
* * * * * *
خشعت الأصوات في الحافلة وهي تواصل مسيرها فلا تكاد تسمع إلا همسا ، تارة نحاسب أنفسنا سائلين هل لنا يد في تلك الزلة الآثمة ؟ وتارة نترقب كلمة أستاذنا التي ربما تحمل تأنيبا لزميلنا أو نصيحة للجميع .
التفتُ إلى زميلي المنكوب بفقدان صوَرِه والمتهم بفضيحة يندى لها الجبين ، وجدته عابس الوجه مكدّر النفس ، قلت له :
- هوّن عليك ... ثم سألته معاتبا ، لِـمَ فعلت ذلك ؟
حدجني بطرفه ثم قال بنبرة المظلوم الحزين :
- قصدتُ التقاط صورة لبوابة مسقط أثناء مرورنا من خلالها ، إلا أن توافق القدر جعل هذا الأب الغيور يظهر من خلفنا ، فظن بي ظن السوء ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق