" مساء مُـضيء "
* يعقوب الريامي .
وحشة الليل تزيدهم رهقا وأضواء المدينة الساطعة تُـلهب عيونهم الزائغة ، نظراتهم المتوثبة تتجه صوب كل شارع و بناية وفي كل مرة ينقلب إليهم البصر خاسئا وهو حسير .
قال كبيرهم والضيق يرسم ظلمته على وجهه :
- عذرا ... توقف هنا .
رد السائق :
- ألا تريد أن نستمر في البحث ؟
قال وهو يهز رأسه :
- لا ... هذا يكفي .
تدخل أوسطهم ثائرا :
- لماذا ؟ هل نتوقف لنركب سيارة أخرى ؟ اتركه ربما نجده قريبا من هنا .
رد وهو يكبت انفعاله :
- سنتكلم خارج السيارة .
نزل الجميع بتثاقل فقد تجرعوا غصص التعب .
وقف صغيرهم منتصبا ضاما ذراعيه على صدره مطبقا على جفنيه لبرهة ، وهو يتمتم بضراعة ... اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا .
أما أوسطهم فظل يلف عموده الفقري ذات اليمين و ذات الشمال ، ويركل الهواء برجليه ليحرك الدم الراكد في أوصاله .
بينما كان كبيرهم يدفع أجرة النقل .
اجتمع الثلاثة على الرصيف وضجيج الشارع يورثهم الصداع ، وسُحـب الهواء الملوث تكاد تخنق أنفاسهم .
قال كبيرهم ونظراته الحازمة تشي بأهمية ما سيقوله :
- حالنا كمن يبحث عن إبرة في كومة قش ، لو أننا في إحدى مدن الخليج لكان الأمر أهون من ذلك بكثير ، لكننا في دولة السياحة العالمية قِبلةِ السّـياح ومقصد الباحثين عن المتعة ، ليلها كنهارها لا يظل فيها إلا هالك .
توقف لحظات ثم تابع :
- هذه ثالث سيارة أجرة وليس من الصواب أن نأخذ غيرها فقد أشرفت أموالنا على النفاد وأضعنا ساعات كثيرة في البحث . ها نحن في الهزيع الأخير من الليل ولم نصل إلى نتيجة .
قال أوسطهم ساخرا :
- كأنك تريدنا أن ننام على الرصيف في هذه الليلة البائسة .
رد كبيرهم وهو يزم أعصابه :
- لا لن يكون ذلك أرى أن نغيّر طريقة البحث .
قال صغيرهم بنبرة جادة :
- أقترح أن نمشي قليلا ففي الحركة بركة ونسأل الله أن يمنّ علينا بعطفه .
استساغ كبيرهم فكرة المشي فكان لزاما على أوسطهم أن يذعن لهم مع تهكمه عليها .
* * * * * * *
تحركت أقدامهم تذرع المدينة مطلقين العنان لأبصارهم مسددين نظراتهم الحائرة في كل زاوية و اتجاه ، في كل خطوة التفاتة وفي كلَّ التفاتةٍ نظرة فاحصة .
الشوارع .. البنايات ... اللوحات الإرشادية ... المحلات التجارية ...
لعل ذاكرة أحدهم تستفيق على مدخل أو علامة توحي بمكانه .
ظلوا يجوسون خلال المدينة كأنهم نمل يدب في وادي مليء بالصخور الكبيرة ، يهيمون على وجوههم مرتدين ثوب الصبر و المصابرة .
كان أوسطهم يمشي خلفهم بتذمر ، يحدث نفسه ...
يبدو أن لعنة المدينة حلت علينا ستذيقـنا سوطا من مجونها ، لن ننجوا من طرقها الطويلة كأنها أذرع أخطبوط عجوز ستتـقرح أقدامنا بسببها ، المدينة لا ترحم أحدا كل شيء هنا بمقابل ... أمقت المدن .
تذكر قريته الوادعة وبستان أبيه الذي فيه من كل زوج بهيج وأوقاته السعيدة التي يقضيها فيه للاستجمام . آه لو أجد رجلاً عنده علم من الكتاب لرجوته أن يحلق بي إلى بيتي حالا ، وسأخير أصحابي بين اللحاق بي أو البقاء في الـتيه . انتابته عطسة حادة زفر على أثرها الهواء المحتبس في رئتيه الممزوج بالضجر ثم أعقبها بالحمدلة .
أمعن بسمعه قليلا منتظرا أحدا من المارة أن يشّمته فلم يجد ردا ، فقال هازئاً من نفسه كم أنا ساذج ... ماذا انتظر من عبدة الأوثان ؟.
بعد فترة ليست بالقصيرة أحس الجميع ببطء في خطواتهم و ثقل في حركتهم .
صرخ أوسطهم غاضبا :
- هذه سخافة ... متى سنتوقف ؟ لا طاقة لي بالمزيد .
لم يعبأ أحد باستغاثـته ...
فقال موجها كلامه لكبيرهم مستفزا إياه :
- أنا أحملك هذا الخطأ الذي وقعنا فيه … ألستَ أميرَنا ؟
توقف كبيرهم ثم التفت إليه بحدة ، وقال :
- هل أخبرك أحد أني معصوم من الخطأ ؟ الكل يتقاسم هذه الغلطة الفاضحة .
رد أوسطهم بعناد :
- لو كنت أنا الأمير لأصدرت قرارا بالمبيت في أقرب فندق ، وفي الصباح نواصل البحث .
- أنت لا تفقه كثيرا مما تقول ... لن نيأس ، مد ذراعه إلى الأمام قائلا بحماس استمروا .
قال صغيرهم ملطفا الجو المتوتر :
- اهدؤوا لا تختلفوا … الحياة مدرسة ومن يريد أن يتعلم فيها فليصبر على قسوتها . لماذا لا تجعلوا من الليمون الحامض عصيرا حلوا ؟ أعني أن نستغل المشي في التعرف على معالم المدينة عن قرب أليس هذا رائعا ؟ .
التفت إليه أوسطهم بوجه مكفهر :
- أيها المتحذلق فلسفتك هذه ليست إلا خيالا في رأسك ، لن نجني منها غير الهذيان .
* * * * * * *
عادوا إلى حافرتهم ... تتلاحق خطواتهم التائهة و نظراتهم المتعبة ، يبحثون عن بصيص ضوء يقودهم خارج النفق المظلم ، آملين أن يرسو قاربُ بحثِهم على شاطئ النجاة .
تتدافع الأفكار في رأس كبيرهم ... لا بد لي أن أتبع خطوات التفكير العلمي في حل هذه المشكلة ، السجن الموصد بالأبواب الضخمة والمقيد بالسلاسل الغليظة يفتح بمفتاح صغير جدا ، كذلك المشكلة تبدو لنا محكمة الإغلاق صعبة التفكيك بيد أن لها حلاً سهلاً في متناول أيدينا ، لكنا نظنه عصي المنال فنبحث عنه في البعيد .
اليأس والغضب يعطلان العقل عن التفكير السليم وما أحوجني إليه الآن . عليّ أن أُحسن استخدام " البطاطة " التي في رأسي ، غلبت عليه ابتسامة خفيفة حين نطق بكلمة بطاطة متذكرا أستاذه المصري الذي طالما كررها له في دراسته النظامية .
قطع حبال أفكاره عندما لاح أمامه فندقٌ ، حدق فيه مليا فراودته فكرة استحسنها .
طلب من زميليه انتظاره قليلا .
أتجه إلى باب الفندق ...
عندها تكلم أوسطهم بلهجة تنم عن استخفاف :
- وأخيرا اقتنعت بفكرتي وقررت المبيت في هذا الفندق .
لم يكترث كبيرهم بكلماته مصرا على تنفيذ ما في رأسه .
في الفندق قال لموظف الاستقبال بكلمات تثير الشفقة :
- نطلب المساعدة لقد أضعنا الفندق ، طال بنا البحث ولم نعثر عليه .
رد الموظف بروح عالية :
- لا تحمل هماً ... تفضل بالجلوس – مشيرا بيده إلى مجموعة مقاعد – هذه ليست سابقة علينا سأتعاون معكم .
استدعى كبيرهم البقية وشرح لهم هدفه فاستووا في مقاعدهم ، مترقبين لمعرفة خفايا القدر .
تميزت جلسة أوسطهم بأن وضع ساقه على ركبة الأخرى باسطا ذراعيه على جوانب الكرسي رافعا رأسه في كبرياء ، أما صاحباه فالأدب والخشوع يفيضان من هيئة جلستهما و نظرات عينيهما .
تركهم الموظف فمكث غير بعيد ثم عاد إليهم و برفقته رجل يتأبط ورقة كبيرة ، كبير السن يرتدي نظارة سميكة تعرف في وجهه نظرة الحكمة ، صافحهم و تبسط لهم في القول .
جلس الرجل قبالتهم ثم نشر الورقة الكبيرة على طاولة أمامه ، وقال موزعا نظراته للجميع :
- هذه خارطة مفصلة لمدينة بانكوك ، أطلب منكم الآن أن تذكروا لي معالم بارزة شاهدتموها قريبا من الفندق الذي نزلتم فيه لكي أحدد موقعها ثم نستطيع أن نقترب من الفندق .
سأله صغيرهم :
- هلا عددت لنا أمثلة على معالم بارزة هنا ؟ .
أعاد ضبط نظارته ثم قال :
- برج ... معبد ... كنيسة ... سفارة ...
ما كاد يتم نطق الكلمة الأخيرة حتى انتفض أوسطهم واقفا كالملدوغ وهتف في نزق :
- السفارة العراقية ... نعم السفارة العراقية لقد رأيتها !.
اتجهت الأنظار نحوه محاولين استيعاب كلماته .
عاجله كبيرهم بعينين مفتوحتين على أتساعهما :
- هل أنت متأكد أنك رأيت السفارة العراقية ؟
- نعم ... رأيت العلم العراقي يرفرف هكذا ثم طفق يهز يده في الهواء عاليا شاخصا بصره . تبادل الجميع نظرات الاستغراب و الدهشة .
غمغم كبيرهم في ضيق ، وقال :
- ما أعجلك ... هل رأيت السفارة العراقية قريبا من فندقنا أم أنك رأيتها في مكان آخر من المدينة ؟
اعتراه الاضطراب ، تجمد في وقفته يعصر ذاكرته مستعيدا تفاصيل ما شاهده ثم ارتمى في المقعد الوثير ، وقال :
- ربما ... لا أدري .
كانت أصبع الرجل الأشيب تتحرك بسلاسة على الخارطة ، عندها قال :
- يتضح لي من الخارطة أنه توجد عدة فنادق على مقربة من السفارة العراقية . أرى أن تأخذوا بكلام صاحبكم وتذهبوا إلى الشارع الذي تقع فيه فربما تجدون ضالتكم .
صمت قليلا ثم أردف وهو يتطلع إلى وجه كبيرهم باهتمام :
- هذا أفضل من البحث العشوائي .
قال صغيرهم بتفاؤل :
- أتفق معه ... لأنه لم يذكر أحدنا غير هذا المعلم الكبير مع ما يكتـنفه من شكوك .
أطرق كبيرهم يفكر بعدها رفع رأسه وصوّب نظره إلى أوسطهم ، و قال :
- ماذا تقول يا مرشدنا ، هل نذهب لنتحقق من كلامك أم أنك تتوهم ؟
رد أوسطهم وهو يفتل شاربه :
- وأنا أيضا هل أخبرك أحد أني معصوم من الخطأ ؟.
* * * * * * *
خيم الصمت على الجميع وسيارة الأجرة تتهادى بهم في شوارع المدينة .
كان صغيرهم يتأمل وجه المدينة الصاخب ، رأى بعض التجاعيد على وجهها إلا أنه رأى فيها الكثير من النظارة ، شاهد الواجهات الزجاجية لمحلات الأزياء فخيل إليه دُمى الملابس تبتسم للجميع والعمارات السكنية العملاقة تلقي التحية للزائرين في تواضع و مودة .
شد انتباهه لوحة تشير إلى مدخل لحديقة عامة تتقدمها أشجار مشذبة الأوراق وزهور جميلة منسقة على طول الممر فتدفق السرور إلى قلبه .
قال محدثا نفسه ...
مع ما تحمله المدينة من عنت إلا أنّ فيها من المساحات الخضراء ما تكون متنفس للمقهورين ، ستزرع الأمل في قلوبهم وتمحو من نفوسهم شيئا من أثقال الحياة ، أليس يولد الفجر من رحم الظلام ؟ .
أوسطهم منكمش على نفسه تحاصره الظنون يتوجس الخذلان . يداري قلقه بالنظر في الخط الأبيض المتقطع بالشارع بعينين ذابلتين .
رباطة جأش كبيرهم دفعته بالتفكير في طريقة جديدة للبحث إذا ما خاب سعيهم وبانت حقيقة شطحات عقل أوسطهم .
بعد فترة من التجوال ... فاجأهم السائق بقوله :
- انتبهوا ... أمعنوا النظر ... نحن الآن في الشارع المؤدي إلى السفارة العراقية .
استنفرت هذه الكلمات حواسهم ، فاتسعت حدقات أعينهم مرسلين نظرات مجهرية في كل اتجاه ...
بعد برهة دوت صرخات فرحة وتعالى تصفيق حاد وهتاف صادق بالتكبير ابتهاجا بنهاية الأزمة .
في بهو الفندق كان أوسطهم يمشي بخُـيلاء والغرور يكاد يرفعه في الهواء .
أمام مكتب الاستقبال شوهد كبيرهم يضع بطاقة عنوان الفندق واحدة في جيب قميصه وأخرى في جيب بنطاله ثم أخذ عددا منها ليوزعها على صاحبيه .
حينها كان صغيرهم يتأمل ما يفعله كبيرهم برضا ، مرددا :
- لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق