الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

ضد مجهول


" ضد مجهول "

* يعقوب الريامي .


*  السائح :
-  قدمتُ من دولة أروبية كسائح ينشد الاطلاع على ثقافات الشعوب والترويح عن النفس من ضغط الوظيفة كمهندس معماري و رتابة حياة المنزل .
أعتدتُ مع زوجتي في كل إجازة سنوية القيام برحلة خارجية .
في هذا العام عقدنا العزم على زيارة أرضكم الطيبة عُمان . أغراني لذلك صديقي الذي ذهب لمهمة عمل في منطقة الخليج بالتحديد في مدينة الإسمنت دبي - هكذا نَعتها - حيث عاد من هناك يحدثني بإعجابه بدول الخليج ، مما قاله أن سلطنة عُمان هي الأحق في الأولوية بالزيارة عن البقية ثم أطال في وصفها من خلال ما قرأه عنها في الكتب السياحية أو ما شاهده من إعلانات متلفزة عن خريف صلالة .
من تصاريف القدر أن زوجتي اعتذرت عن مرافقتي لأسباب قاهرة في وظيفتها بشركة الاستيراد و التصدير ، فقد تم توقيف إجازتها السنوية في الوقت المتفق فيه للسفر إلا أن هذا الطارئ لم يثبطني من مواصلة الرحلة وحدي . لا أخفيك سرا أني كنت في البدء حزينا على فراق زوجتي إلا أني وجدتها إيجابية لأتحرر من نفقات تسوقها المفرط في كل بلد نزوره  ههههه !.
بعد أيام على وجودي في عُمان أيقنت أني وفقتُ في هذه الرحلة ، فقد فاقت كل التوقعات .
شدني شموخ السلاسل الجبلية بألوانها المتعددة ، تتابعها لمسافة طويلة أشبه بجدار صخري عملاق ، كذلك انبساط الصحاري المترامية الأطراف حتى يكاد يخيل لي أني في أحد كواكب الفضاء . الأودية ذات المياه الصافية وأشجارها الباسقة تلف عددا من الولايات كحزام حول خصر حسناء ، أعجبتُ بالسواحل الممتدة بنظافة شواطئها ونعومة رمالها ، فهي تلهم السائح بفكرة المبيت بقربها .
تاريخكم المجيد تشهد عليه حصون تتربع على هضاب كحرس أمين أو قلعة صامدة أمام عوادي الدهر . المواقع الأثرية تُـعد مخطوطة تاريخية مازالت تحتفظ ببصمات الأولين و أبداع السابقين .
أستغل هذا المنبر لأشد على الجهة المنظمة للسياحة في الاهتمام بأمرين ، أولها استمرارية التنقيب عن المزيد من المواقع السياحية التراثية منها و الطبيعية ثم أعادة ترميمها و تأهيلها ، ثانيها تقديم الخدمات التي يحتاجها الزائر عادة أثناء ارتياده للموقع السياحي .
بلدكم متنوع جغرافيا وموغل تاريخيا ، فحُق لكم المفاخرة به ووجب عليكم المحافظة عليه .
لا يفوتني هنا ذكر دماثة خلق العمانيين و شيوع روحهم الطيبة . الكرم والتعاون صفتان لمستهما في كثير من أهالي المناطق التي زرتها ، احترامهم للسائح و تقديرهم للضيف جبلة فيهم .
هل تصدق أن أغلب تنقلاتي كانت مجانية ؟  إذ أنهم يعرضون حملي في سياراتهم برحابة صدر . لقد تذوقت طعم التمر السكري والقهوة المرة في منازلهم ، ناهيك عن وجبات الغداء بعد إلحاح منهم ، فهذا دليل على جودهم .

نعم ... الآن سأتحدث عن قضيتي .

في هذا الصباح المتلطف ببرودة معتدلة دخلتُ مقهى في مدينة صور ، جلستُ أرتشف الشاي حينها تلاقت نظرات عيني  مع نظرات شاب يتناول إفطاره قبالتي ، بادرني بالابتسامة فأومأت برأسي لتحيته ، عندها أشار عليّ لأشاركه في طعامه.
تحركت نحوه فانساب التعارف بيننا كانسياب الشاي في جوفي .
كان في العقد الثاني ذو بشرة داكنة ، يقظ  النظرات ، أنيق الهندام ، يضع على رأسه عمامة ملونة جزء منها طويل يغطي صفحة عنقه من الخلف .
نشرنا بُسط الحديث بيننا في مواضيع شتى ، إلى أن سألني :
-  هل زرتَ وادي شاب ؟
أطرقت أفكر لبرهة ... بعدها أخرجت من حقيبتي كتاب المرشد السياحي لسلطنة عُمان الذي اشتريته من مطار مسقط .
قلبت أوراق الكتاب في فصل المنطقة الشرقية ثم قرأتُ له ما خلاصته : 
( يقع وادي شاب في نيابة طيوي التابعة لولاية صور في المنطقة الشرقية ، ويبعد عن مسقط 140 كم على طريق قريات صور الساحلي ، وتتصافح على أطرافه المياه العذبة المنحدرة من أعالي الجبال مع مياه البحر المالحة وذلك نتيجة قرب الوادي من البحر ، الذي بدوره ساعد في خلق التنوع البيئي الذي صاغت من خلاله الطبيعة مقومات انفرد بها هذا الوادي عن بقية أودية السلطنة . تُعد الرحلة لوادي شاب مغامرة شيقة ، إذ يتمتع الزائر أثناء الرحلة بالمشي على الأقدام بين المرتفعات الجبلية ).
ثم قلت :
- ألستَ تقصد هذا الوادي ؟
رد مبتسما :
- يبدو أن كتابك هذا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
ثم أنه عرض عليّ أن يقلني إلى الوادي بسيارة الأجرة التي عنده ، مؤكدا أنه يسكن في القرية المجاورة له ، فوافقته عن طيب خاطر .

في الطريق حدثني عن عادات أهل صور في الزواج و الأعياد ، وسرد لي لمحة عن تاريخ مدينة صور . كذلك أوضح لي مواسم الصيد عندهم ، مطعما حديثه بحكايات مثيرة عن مخاطر صيد سمك التونة في فصل الصيف عند اشتداد الريح .
حين اقتربنا من مدينة قلهات أسهب في ذكر حضارتها التاريخية  ومكانتها السياسية و الاقتصادية ، من جملة ما قاله إن المؤرخين ذكروا أن مالك بن فهم الأزدي وأفراد قبيلته – قبل الإسلام -  اتخذوا من قلهات محطة توقف خلال هجرتهم من اليمن إلى عُمان في القرن الثاني الميلادي، قبل توجههم لمداهمة الفرس في قواعدهم بصحار ، كذلك كانت لفترة ما مركزا تجاريا لحكام مملكة هرمز لاحقا .
ثم توقفنا لمشاهدة ضريح المرأة الصالحة ( بيبي مريم ) الذي يُعد من الآثار المتبقية الدالة على أهمية قلهات التاريخية . وتشير المصادر إلى أن هذه السيدة كانت تحكم قلهات إبان حكم قطب الدين ملك هرمز خلال زيارة ابن بطوطة للمنطقة ، في حين يقول السكان المحليون إنها امرأة طاعنة في السن قامت بعمارة المسجد وخدمته إلى أن توفاها الله .
لقد حظيت مدينة قلهات بزيارة العديد من الرحالة و المكتشفين ، مثل الرحالة الإيطالي ماركو بولو ثم بعد خمسين عاما زارها الرحالة العربي ابن بطوطة في القرن الثالث عشر الميلادي .
ويُـذكر أن ياقوت الحموي وصفها في كتابه معجم البلدان بأنها "فرضة بلاد عمان".
تعرضت قلهات لهجوم القوات البرتغالية الغازية عام 1507م بقيادة القائد الفونسو دي البوكيرك ثم وقع بها زلزال أتى على ما أبقاه البرتغاليون من دمار . 
هذه مقتطفات من محاضرته القيمة . لقد أذهلني اتساع معرفته بالتاريخ العُماني ، كان طلق اللسان يتحدث بلغة انجليزية سليمة ، قال أنه يحمل شهادة عالية لم أسأله عن تفاصيلها.
وصلنا وادي شاب فأطلقنا العنان لأقدامنا نخوض سواقي الماء الذي ظلت ترافقنا أينما اتجهنا . بنظراتي المشدوهة كنت أقيس ارتفاع الجبال المهيب ، ممتعا عيني بأشكالها التي تحلق بالخيال بعيدا .
أما الأشجار الكثيفة على ضفة الوادي كانت منحنية أصلابها كأنها تعبر عن مدى إجلالها للزوار .
كمن فلق صخرة ضخمة بضربة فأس عملاق فأحدث فيها أخدودا عميقا ، هكذا أشبه شكل الوادي .
كلما توغلنا في مجرى الوادي أزداد روعة ، أنه يسحر عقولنا فنواصل مسيرنا في حماس .

مسنا الكد فتوقفنا أمام بركة عظيمة لصفاء مائها يحسب الناظر إليها أنه أمام صفحة من البلور . الصخور التي في قعرها تشع كأنها سبائك فضة ، قال صاحبي :
-  الذي يوجد بعد البركة أكثر جمالا منها . أنه منظر طبيعي خلاب .
نظرتُ إليه متعجبا مستفهما ...
ثم استطرد كلامه :
-  بعد هذه البركة يوجد كهف واسع المدخل فيه حوض ماء كبير ، يقصده الكثير من السياح إلا أن الوصول إليه يستلزم اجتياز هذه البركة سباحةً .
وجدت نفسي تلقائيا أخلع حقيبتي من كتفي  وأفك أزرار قميصي ، قائلا :
-  لن أفوت لمسة جماليه في هذه الدولة المكتنزة بالعجائب .
ارتميت في ذلك الماء الدافئ ، ملوحا بيدي هاتفا له بأن يحرس أمتعتي إلى أن أعود .
هذه الطلعة البحرية البرية المثيرة استغرقت أقل من ساعة قضيت فيها وقتا بهيجا .
عند عودتي وجدت الشاب ينتظرني جالسا في استرخاء يجول في صفحات هاتفه ، جففتُ جسدي بشمس الوادي الهادئة ثم ارتديت ملابسي ، قبل أن أهم بالخروج من الوادي التقطت صورة للبركة ومعها صاحبي الشاب ثم قفلنا عائدين من حيث أتينا .

أعتدتُ في كل رحلة أن أجري عقب زيارة كل موقع سياحي بحساب نفقاتي المالية لأدون كم كلفني للوصول إليه ، بقصد إحصاء كامل لتكاليف زيارتي لـعُمان .
ما حدث أني حينما فتحتُ محفظتي انصدمت من هول ما تبين لي ، أعدتُ ضبط نفسي فبحثت مجددا في محفظتي ثم تحسست جيوب ملابسي ونفضت حقيبتي ، فلم أعثر على ما كنت أبحث عنه .
اللعنة ... أين اختفت ؟  هل يعقل أني ضيعتها من إهمال مني ؟
الحقيقة أني فقدت مبلغ قدره 800 يورو ! . 
أرجعت ذاكرتي للوراء ربما أنفقتها في أجرة الفندق اليوم أو عند التسوق فيما مضى فلم أجد جوابا شافيا مع أني على ثقة تامة أن هذه المبلغ كان معي هذا الصباح .
كلمت صاحبي بالورطة التي وقعت فيها ، أبدى استغرابه ثم أنه نصحني بالبحث مجددا بروية .
هول الواقعة أعمى بصيرتي و شل تفكيري فبدأت الخواطر السلبية تراودني والظنون تعصف بي ، حتى رحتُ أشكُ في صاحبي فربما فعلها حين كنت أستحم في البحيرة بقصد الوصول إلى الكهف . ألمحتُ له أني أشير إليه بأصابع الاتهام.، جادلته قليلا إلى أن صارحته بوضوح بما يكنه قلبي تجاهه .
ببرود أعصاب أنكر صاحبي فعل السرقة جملة و تفصيلا .
سمع حديثنا رجل كان يتجول في الوادي بمقربة منا ، تدخل بيننا فشرحت له الواقعة .
وجدت من الرجل الصدق في سعيه إلى الإصلاح و الوفاق ، فقد قال كلاما حكيما موجها خطابه لي :
-  إن هناك قانونا يحكم هذه الدولة . إن وقع عليك ظلما فأطلب حقك منه .

* * * * * * * *

*  القانون :
-  لقد أحسنتَ وصف بلدنا عُمان و أظهرتَ إعجابك بطبيعتها وتراثها وامتدحتَ أهلها في أخلاقهم وفي طيب معشرهم ، أرجو أن لا تكون هذه الحادثة كنقطة سوداء في وجه تلك اللوحة المشرقة التي رسمتها في نفسك لعُمان فتمحو بظلمتها جمال صورتها و تخفت نور حسنها ، فتعود إلى بلدك عودة الساخط المتذمر .

* * * * * * * *
*  السائح :
-  أشبه دولتكم عُمان كـجواد أصيل يعدو في مضمار سباق فانتابته كبوة أو اعترضته عثرة فلم تنتقص من مكانته أو تلوث سمعته ، فظل بعدها محتفظا بألقه متمتعا بشهرة حسنة . أنا في اليوم العاشر في وطنكم الجميل لم أجد ما يسوئني أو يثير انزعاجي ، أكاد أقر أنه لم يقع لي شيئا قط . هذه الحادثة لا تقارن بالذي يحدث في دولتي ، فلا تكاد تمر دقيقة لا تخلو من وقوع جرائم منظمة في الشارع ، كالسرقة أو ابتزاز المال أو القتل المتعمد ، فالبون شاسع و الفرق جلي .
يبدو أن جيوشنا الجرارة وأسلحتنا الفتاكة استطاعت أن تحقق الأمن الخارجي للدولة ، إلا أنها أخفقت في توفير الأمن الداخلي لنا .
عموما ... سأكتب لكم توكيلاً لسيدة تحمل نفس جنسيتي تعمل في شركة نفطية هنا في السلطنة ، عند حصولكم على المال المفقود أرجو تسليمه لها .
ولكم جزيل الشكر والامتنان حكومة و شعبا .

* * * * * * * *
*  المتهم :
-  أنا أسكن في قرية مجاورة لوادي شاب ، منذ عامين تخرجت من جامعة السلطان قابوس كلية التجارة والاقتصاد ، مر العام الأول ولم أجد وظيفة تناسب مؤهلي و تتوافق مع طموحاتي بعد بحث مضني ما بين ندرة القطاع الحكومي و صرامة القطاع الخاص ثم في العام الثاني حصلت على وظيفة في شركة تسويقية ،إلا أن المهانة ظلت تلاحقني فالراتب الشهري لا يعادل ساعات العمل الطويلة التي أبذل فيها جهدا كبيرا ، كذلك شح الإجازة واحتكار الأجانب في معرفة العمل بهدف الثبات في المناصب والترقي فيها ، ونجثم نحن في الدرك الأسفل من السلم الوظيفي و الخبرة .
ذقت ذرعا بهم فقدمت استقالتي لأبحث عن مستقبل مشرق في مكان آخر .
أبي المتقاعد من الخدمة العسكرية يقضي سحابة نهاره في سيارة الأجرة . حين تهاجمه ألآم الروماتزم التي يعاني منها منذ زمن أتولى عنه البحث عن الرزق بهذه المهنة .
أعترف أني أوصلت السائح الهولندي من مدينة صور إلى وادي شاب ثم رافقته في التجوال داخل الوادي .
أقسم بالله العظيم ... لم أمد يدي إلى نقوده ولم أعبث بحقيبته ولم أفتش ملابسه .
هذا قسمٌ أتحمل عاقبته فالبينة على من أدعى واليمن على من أنكر .

* * * * * * * *
*  القانون :
-  لعل السائح توهم فقده هذا المبلغ الضخم أو ربما ضيعها في مكان آخر غير هذا الوادي .
يخالجني شك أنه أفتعل هذه الحادثة – مع حسن الظن به في كل الأحوال -  ليسترد مبلغ التأمين من الشركة التي أمن بها على رحلته ! .
علماً أن المتهم ليس له سوابق في الأجرام ، كذلك لم يصلنا أي بلاغ من محلات الصرافة عن شخص صرف مثل هذا المبلغ أو قريبا منه بذات العملة في الأيام التي تلت الحادثة .
رجال التحريات الذين أوكلنا لهم مهمة مراقبة المتهم لاحقا ، لم يثبتوا له أفعال تثير الشبهة حوله . 
لهذا سأغلق ملف هذه القضية بحجة عدم كفاية الأدلة ! .

قصة ( بين السماء و الأرض )


" بين السماء و الأرض "

* يعقوب الريامي .

" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . قائد الطائرة ... يرحب بكم على متن طائرة الناقل المحلي التي ستقلع من مطار العاصمة إلى الجزيرة الشرقية . ستستغرق الرحلة خمسة وأربعين دقيقة على ارتفاع أربعة وعشرين ألف قدم . رحلة ممتعة للجميع "
يستمع الركاب إلى تفاصيل الرحلة الصباحية وجلبة خفيفة تسرى بينهم . هذا يحدث زميله وذاك يشد حزام الأمان وآخر يهيئ مقعده .
كان من بينهم محمود موظف في شركة الكهرباء بالجزيرة ، ذاهب إلى عمله بعد انتهاء إجازته السنوية .
بعد دقائق من استواء الطائرة في الهواء أحس محمود بالنعاس يثقل على جفنيه ويشتت تركيزه فعمل على إرجاع المقعد إلى الخلف قليلا ثم أسند رأسه عليه طلبا لغفوة لعلها تمتص تعبه .
بعد فترة استيقظ على حركة أحد الملاحين وهو يوزع زجاجات الماء البارد . استلم واحدة فارتشف منها عدة رشفات ليمزق حبال الكسل التي طوقت نشاطه  .
نظر إلى ساعة معصمه فتبين له مرور نصف ساعة على الرحلة ، وما تبقى غير خمسة عشر دقيقة على النزول في مطار الجزيرة فقرر استغلالها في قراءة مجلته المفضلة .

* * * * * * * *

أحجم عن القراءة بعد تقديره لمدة الرحلة إذ تبين له أنها أزفت على النهاية . أجال نظره في وجوه الركاب بعشوائية فلمح إحدى النوافذ مفتوحة الستار . راح يتأمل منظر السماء الصافية التي تزينت بالغيوم البيضاء فكانت لوحة إلهية خلابة .
في هذه الأثناء برقت في ذهنه خاطرة جعلت هاجس الشك يرتاد دواخل نفسه في أن هناك أمراً غير طبيعي .
أعاد النظر مجددا في ساعته فأدرك أن مدة الرحلة قد انتهت بل تجاوزت خمسة وأربعين دقيقة منذ الإقلاع ، والطائرة ما تزال في علو مرتفع نسبيا وليس هناك إشارات تدل على قرب موعد الهبوط بالرغم من تلقي الركاب تعليمات بربط حزام الأمان منذ فترة طويلة .

في ظل هذه الاستدلالات راح يحدث نفسه ...
كثيرا ما حلقتُ في عدة طائرات من العاصمة إلى الجزيرة ويستغرق المدة نفسها ونادرا ما تتأخر في الوصول . اليوم الجو هادئ وصحو ومناسب للطيران بشكل منقطع النظير ، لم أشعر بوجود مطبات هوائية ، فلماذا التأخير ؟! .
اقتنع محمود بتحليله العلمي إلى حد ما وزادت ثقته بنفسه . 
أعتدل في جلسته ثم أعاد ضبط  قبعته متخذا قرارً بلا تردد في سؤال الملاح ، ليدخل الاطمئنان في نفسه وليلبي نزعته الفضولية في معرفة حقيقة المسائل التي تبدو مبهمة .



شاهد تحرك أحدهم بجانبه فبحث في قاموس لغته عن الكلمات المناسبة لصياغة السؤال ، اقترب الملاح منه فقال محمود :
-  يبدو لي أن الطائرة تأخرت عن موعد وصولها إلى الجزيرة ، هل هناك سبب معين ؟ 
انصدم الملاح بالسؤال الجريء فظل يحدق في وجه محمود بعينين مفتوحتين على اتساعهما ، تنحنح قليلا ثم قال :
-  ما أخبرني به قائد الطائرة أنه تلقى بلاغا أو بالأحرى طلبا من وزارة البيئة بمتابعة بقعة زيت تطفو على سطح البحر لمعرفة اتجاهها وسرعة تحركها ، وهذا المهمة يحتاج إلى وقت .
لم يعلق محمود على جواب الملاح سوى ابتسامه جانبيه ناطقا بكلمات الشكر .  
تنهد الملاح في ارتياح ثم انصرف لشؤونه .
ظلت الأفكار تسيل في عقل محمود ، فالجواب لم يقنعه .
بعد ذلك التفت إلى من جواره وهو شاب قريبا من عمره اسمه خالد ارتدى حلة الصمت منذ ولوجه الطائرة . تعرف عليه ثم طرح عليه سؤالا واضحاً .
-  هل سمعت ما دار بيني و بين الملاح من حديث ؟
-  نعم ... سألته ثم أجابك .
محمود بتفاعل ظاهر :
-  هل كان كلامه مقنعاً ؟
فكر قليلا ثم قال :
-  لم لا ؟ ... استغلت وزارة البيئة تحليق الطائرة فوق البحر لمراقبة تحرك بقعة الزيت وهذا عين الصواب .
-   هل يعقل أن تقوم طائرة ركاب مدنية بهذا العمل ؟ علما أنه يوجد قسم خاص عند الشرطة يعرف بقسم البحث و الإنقاذ يمتلك طائرة عمودية للقيام بمثل هذه الأعمال .
وكذلك يوجد في سلاح الجو طائرات خفيفة استطلاعية واكتشافيه تستطيع القيام بهذه المهمة على أكمل وجه بل هو من صميم عملها .
خالد مترددا :
-  لا يخلو تحليلك من الصحة ، ماذا تريد أن تقول بالضبط ؟
محمود  بحماس :
-  أريد أن أقول أن الملاح لم يقل الحقيقة في سبب تأخر الطائرة .
خالد بنبرة جادة :
-  كلامك هذا يثير الرعب لمن يسمعه ، أنصحك لا تنساق وراء ظنونك واترك الأمر لأصحابه .
محمود منزعجا :
-  سأحاول .

* * * * * * * *



سادت فترة صمت بينهما . محمود غارق في التفكير تضطرم الهواجس و التساؤلات في عقله ، محاولا صرف تفكيره عن الموضوع فلم يجد إلى ذلك سبيلا  .
بينما هو على هذا الحال اشتعلت في رأسه فكرة ...
محمود بتلطف :
-  خالد أطلب منك مهمة بسيطة  ، أرجو أن تسأل الملاح الثاني عن سبب تأخر الطائرة ؟ 
خالد بتذمر :
-  مرة ثانية عدنا لهذا الموضوع .
-  أنت اسأله فقط ولا تجادله ، يبدو لي أن هذا عملٌ سهلٌ جدا .
خالد بلهجة حازمة : 
-  أعذرني عن القيام بهذا العمل فلستُ متلهفا مثلكَ لمعرفة ما يحدث ، وفي الوقت نفسه أنت لا يعنيكَ قطعا ، لأنك لست مسئولا عن الطائرة ولن تغير في شيء إذا ما صدقت شكوكك .
توقف لحظات ثم قال : يكفيك سؤال الملاح الأول . 
احتقن وجه محمود وأحس بالهوان من هذا الرد ، فعزم على استفزازه  . 
فقال بصوت بطيء مشحون بالخبث  :
-  يعني أنك تخجل من سؤال الملاح ،  لا بأس سأبحث عن شجاع يفعل ذلك  .
كان وقع تلك الكلمات في نفس خالد مؤلماً نفسيا ، فاندفع قائلا :
-  أنا لست كذلك ، سأثبت ذلك الآن . 
وما هي إلا لحظات حتى ظهر لهما ملاح آخر ، فنادى خالد الملاح .
حينها أخذ محمود يقلب صفحات المجلة متظاهرا بالقراءة .
خالد شادا على أعصابه :
-  مدة الرحلة انتهت ولم نصل الجزيرة ، هل هناك مشكلة ؟ أحتاج إلى توضيح .
اضطرب الملاح قليلا ، لكن سرعان ما أعاد ثبات نفسه قائلا :
-  وصلنا بلاغ من قسم التحريات بمركز الشرطة عن دخول متسللين حدود الدولة عن طريق البحر على ظهر قارب صيد ، فكانت الأوامر تنص على مراقبة أكبر امتداد لسطح البحر فإذا رأيناهم أبلغنا عن موقعهم . هذا كل ما في الأمر ! .

* * * * * * * *

بعد أن ابتعد الملاح عنهم ...
أغلق محمود صفحات المجلة بقوة وأطلق ضحكه يغالب في كتمانها ... ثم قال ساخرا :
-  متسللون ، وقبل ذلك بقعة زيت ، ألم أقل لك إنهم لا يقولون الحقيقة .
ثم استطرد في كلامه ... أقوالهم متناقضة كيف يراقبون متسللين ؟ حسب معرفتي أنه يوجد قسم مستقل في جهاز الشرطة يعرف بـ " خفر السواحل " وهي قوارب بحرية سريعة مزودة بأجهزة مراقبة يقودها مجندون من الشرطة أنفسهم ، عملها حماية السواحل و ملاحقة الداخلين الحدود بدون إذن قانوني ، فلماذا يستعينون بهذه الطائرة المخصصة لنقل الركاب فقط ؟ وهناك من هم أهل لهذا العمل .

قال خالد بصوت جاف وقد أستبد به الضيق :
-  أرجوك لا أريد أن أسمع المزيد ، وإلا ....

قاطعه محمود مستلطفا إياه معتذرا لما بدر منه .


* * * * * * * *


فجأة قطع صوت قائد الطائرة الصمت الذي ساد بين محمود وخالد ، بأن أعلن للركاب وجوب التأكد من ربط حزام الأمان فالطائرة ستهبط بعد قليل في مطار الجزيرة ! .
عندها التفت خالد إلى محمود وعلامات السرور تشع من وجهه .
قال في ابتهاج رافعا ذراعه اليمنى قابضا على أصابعها :
-  نعم ، الآن سننزل على أرض الجزيرة الحمد لله .
 صعق محمود بالخبر المباغت الذي لم يتوقع أن يحدث بهذه البساطة .
أحس من كلمات خالد كأنه يقول له في سخرية ، أيها الذكي المغرور تحليلك لم يكن في محله وتوقعك لم يصب ، وها نحن نصل بسلامة .
توقفت الطائرة في مطار الجزيرة وقوفا تاما . أصوات خلع الركاب لأحزمة الأمان وهمسات بعضهم لبعض و وقع أقدامهم وهم يتحركون ببطء إلى باب الطائرة ، كل هذه الأصوات ومحمود يسمعها منكسر الخاطر ، يتألم من خذلان القدر له ، متجرعا مرارة تأنيب الضمير لتسرعه في تفسير الأحداث ، إلى أن انـتبه إلى خالد وهو يربت على كتفه يحثه على الخروج .

تحرك محمود باتجاه باب الطائرة بتـثاقل وخالد يمشي خلفه .
نزلا من سلم الطائرة متجهين نحو قاعة القادمين . ما كاد محمود يخطو خطوتين أو ثلاث حتى وقف منتصبا مشدوها بعدما مسح بعينيه ساحة المطار . شاهد منظرا غير مألوف وحدثا لم ير مثله من قبل.
شاهد حشدا من الطيارين والإداريين والمهندسين وكذلك مجموعة من السيارات ، مثل سيارة الإسعاف و الإطفاء وسيارات تابعه لقسم الدفاع المدني ، وبعض الأجهزة والمعدات الخاصة بصيانة الطائرة .
أما خالد فقد وقف لوقوف محمود ، وشاركه في المشاهدة .
أسئلة كثيرة تدور في ذهن محمود وأشياء لا يجد لها تفسيرا . ما شد انتباهه أحد المهندسين من ضمن الحشد المجتمع ، هو من أبناء بلدته وزميل الدراسة وصاحب في رحلات الفريق الرياضي .
استلم محمود حقيبته من مبنى الشحن ثم التفت يبحث عن خالد ، حين وجده طلب منه أن يستمع معه إلى مكالمته الهاتفية والتي ستكون بالسماعة الخارجية .
أتصل محمود بزميله المهندس وسأله عن سبب تجمع إدارة المطار لحظة نزول الطائرة .
كان جواب المهندس حاسما :
-  بسبب العطل الطارئ الذي أصاب الطائرة ! .

تبادلا الاثنان نظرات استفهامية ، متباينة المعنى .

فقاعة الصابون


"  فقاعة الصابون  "
 
* يعقوب الريامي .


( من مذكرة مواطن ) .

في صباح هذا اليوم قفلتُ عائدا من السوق بعد شراء ما طُـلب مني من احتياجات البيت .
في الطريق لاح أمامي مشهد لسيدة - ليست عُمانية بالتحديد - تقف على جانب الشارع ينم حالها أنها تترقب مرور سيارة أجرة . لكبر سنها أخذتني الشفقة عليها فدعوتها للركوب فوافقت بدون تردد . تكلمت معها كما يتكلم الابن مع أمه ، تعرفتُ عليها وسألتها عن مكان إقامتها و إلى أين تريد .
استأنستُ بلطف حديثها و سلاسة كلماتها إلى أن طفقت تذكر أحداثاً وقعت لي في الماضي ، علما أن هذا أول لقاء بيننا وأجزم أنها لا تعرفني مسبقا .
فقد صرحت أني في طفولتي ضربني أبي ضربا مبرحا لفعل قبيح اقترفتهُ .
و كذلك ذكرتَ حادثة سقوطي من دراجتي الهوائية في الفلج  وشغفي في صغري بصيد العصافير .
كل ما ذكرته السيدة حقيقي في حدوثه وصائب في تفاصيله ، فقد شاهدني أبي في صغري متلبساً ويدي تمتد إلى محفظته فعاقبني بقسوة ، طفولتي مليئة بالشغب لهذا كثرة مرات سقوطي بالدراجة ، أما صيد العصافير فكانت هوايتي المفضلة .

كنت أسمع لها مبهوتا لا أقوى على الإنكار .
وأعجب من ذلك أنها واجهتني بحقائق أعايشها اليوم ، فقالت أني أعاني من أزمة مالية  وأختلف مع إخوتي في بعض المسائل الأسرية ، وهذا صحيح  .
لقد شدتني ثقتها بكل كلمة تقولها و بهرني صدق ما ذكرته في واقع حياتي ، فأيقنت بقدرتها الخفية في اختراق حُجب الماضي و الإطلاع على مفردات الحاضر .
ثم إن السيدة صارحتني بأمر خطير أفجعني فقد أكدت أني مسحور ، وأن السحر قد التبس بي منذ فترة قصيرة . أحسستُ برعدة خوف تسري في بدني فانتفض لها قلبي يخفق هلعا وبجسدي ينكمش كالمنديل الساقط  . أخذتُ ما قالته على محمل الجد فقد كشفتَ لي عن حقيقة السحر الذي يمكن أن أُبتلى به وليس هناك ما يسد باب وقوعه عليّ .
ثم إنها عرضت عليّ مقدرتها على فكه و إزالة مفعوله ، فشعرت بالأمل يُحيّ نفسي المتهالكة و يشد من عزيمتي المتضعضعة . اقـتنعتُ بحاجتي إلى التخلص من هذا الأذى فأبديت لها رغبتي في ذلك و سلمت لها زمام نفسي تفعل بها ما تشاء .
طلبت أربعين ريالا أجر مجهودها ، هو بالنسبة لي ثمن بخس إذ لا يعادل عافية منيعة ربما أنفق أضعافها وأنا ألهث وراء الأطباء وأستجدي المعالجين . سلمتها عشرين ريال معتذرا أنه ليس عندي غيرها الآن والباقي لاحقا .
شرَعت في ذكر تفاصيل الوصفة التي تحررني من قبضة السحرة و تذهب عني البأس . ماء و ملح و مقادير أخرى ، اخلط هذا مع ذاك واشرب هذا وامسح بهذا على جسدك .
حاولت أن أحفظ الوصفة عن ظهر قلب فلم أتمكن فكتابتها عصية لأني كنت مشغولا بقيادة السيارة . وصلتُ المكان الذي تُريده ثم خرَجَت ، وانتهى كل شيء .  
تركتني السيدة واجما في السيارة ، أرقب خطواتها وهي تختفي بين الأزقة .
انهالت عليّ الهواجس المقرفة و انتابني القلق الممّض  ، حدثني عقلي بخطر مجهول سيحدق بي وأن الساحر لن يمهـلني كثيرا فيعاجل في بث سمومه  وتحقيق مآربه . نظرتي إلى معالم الحياة تبدلت فتراءت لي الألوان الجميلة سوداء باهتة والأشياء من حولي كأنها تناصبني العداء .
فجأة استفقتُ على أثر بوق هادر لسيارة مرت بجانبي بسرعة ، فتنبهتُ إلى أني أوقفتُ سيارتي في الرصيف وجزء منها داخل الشارع العام .
حينها تأملتُ كل كلمة قالتها السيدة ، وقلبتُ فكري في مجريات حدث لي ...
فشعرت بعودة الرشد إلى عقلي ، وتحَرري من أغلال الخديعة  ! .

تمت الكتابة في العاشرة مساءا ، من نفس يوم الحادثة .