" للرسالة بقية .. "
* يعقوب الريامي .
من : الساخر من الأقدار .
إلى : أميرة بكلمتي .
مساء الشوق والأمل ..
كما اتفقنا مسبقا لن أتحدث معك اليوم في الماسنجر بل سأكتفي برسالة على البريد الالكتروني توضح خارطة الطريق – كما في عرف السياسة – للقاء الأول بيننا الذي طال انتظاره .
في البدء أقر أنني معجب بشخصيتك الناضجة ، والذي يزيدني تعلقا بك هو إصرارك الجاد في تطبيق مبادئك ومنهجك في الحياة .
فقد رفضتِ في أول حديث بيننا في موقع الدردشة الإفصاح عن اسمك ومكان إقامتك ، كذلك لم توافقي لاحقا على معرفتي برقم هاتفك على الرغم من إلحاحي المتواصل و مراوغتي لكِ ، حتى صورتك الشخصية أبديت ممانعة حازمة في عرضها .
الآن مر على تعارفنا أكثر من شهر نلتقي في الماسنجر مرة كل أسبوع ، نتحدث لساعات طوال ، مع ذلك متمسكة في سلوك الطريق الذي رسمتيه لنفسك في التعامل مع الجنس الآخر ، ممتنعة عن كشف بياناتك الشخصية بوضوح ، غير اسمك المستعار المتميز .
شعاركِ " التعارف للزواج فقط " يحمل دلالة عدم تقبلك لعرف الزواج التقليدي – مثل كثير من فتيات اليوم - وهو أن يطرق باب المنزل خطيب لا تعرفه الفتاة مسبقا ، يحمل بين يديه شهادة حسن سيرة وسلوك ، فإذا نال أعجاب ولي أمرها حثها على الموافقة عليه ، فتضطر الفتاة للاستجابة حبا لرضاه وبعدا عن سخطه ، عندئذ يضيق عليها الوقت لسبر أغوار شخصيته .
هذا في نظرك لا يقنعك ولا يرضي غرورك بل تتوقي في اختياره بنفسك ، لتدرسي مظهره وتكتشفي مخبره وكل شي عنه ، ثم تتخذي القرار المصيري .
كذلك شعارك آنف الذكر دليل على وعيك الحقيقي بمخاطر التعارف غير المنضبط ، فلا بد من تقيده بشرط مقدس وهو الزواج ، فقد صرحتِ أن التعارف من أجل الصداقة المفتوحة طريق مظلم إما أن يصل بأصحابه إلى خيانة عاطفية تحرق القلب أو فضيحة ثقيلة الوزر .
كما بادرتِ – بدهائك الأنثوي - باقتراح اللقاء بي في موقع وظيفتي بالمستشفى لما فيه من الأمان والستر ، وهذا يشي على حرصك الشديد .
أنت نموذج لفتاة عصرية تملك زمام مشاعرها ، تفكر بعقلها لا بقلبها .
أتفق معك في أن دخول الفتاة مواقع الدردشة ليس زلة آثمة في عرف هذا الجيل .
فقد بينتِ هدف تجوالك فيها وهو التسلية البريئة و الحديث الهادف ، أما التعارف للتواصل فقد حددت شرطه آنفا .
لقد ذكرت ذات مرة أن بعض الطالبات ينتابهن الضيق من ثقل الدراسة و يراودهن الشعور بالغربة بحكم البعد عن الأهل ، فتلجأ الفتاة الواحدة منهن للتنفيس عن ما في نفسها بدخول مجتمع افتراضي مختلط الجنسين . لعلها تجد من شاب – بداعي الفطرة - يحمل على صدره شارة الصادق المحترم يسمع لها ما تكتمه في كيانها من أحلام و تطلعات أو يتضامن معها في همومها العائلية و مسائل حياتها الشخصية .
لقد أوضحتِ أن تكوين علاقة بين طالبة و طالب أمرا ليس متاحا بيسر ، فالعيون الفضولية تختلس النظرات والردهات ملغمة بعدسات التصوير ، ترصد الساكن والمتحرك.
أقول باقتناع تام نحن نعيش في عالم جديد متناقض ، التواصل بين الجنسين - كحالنا هذا - لا يجيزه شرعنا ويستهجنه مجتمعنا ويمقته ولاة أمورنا ، فنلجأ إلى الاحتيال لنوجد لأنفسنا وضعا لا إفراط فيه ولا تفريط ، يشبع نوازعنا البشرية و يُرضى الأطراف الأخرى ، مدفوعين بالاستفادة من مميزات التقنية الحديثة التي وسعت فرص التعارف ، فقد اخترقت الحُجب وقربت البعيد .
عموما ... ستكون مناوبتي في المستشفي يوم الخميس صباحاً ، اليوم الأنسب للقاء .
ستجديني في قسم العلاج الطبيعي .
تدبري طريقة الوصول .
إلى اللقاء هناك .
لحظة .. لحظة من فضلكِ ، الرسالة لم تنتهي بعد ...
إني أتألم ... أعتصر ندما .
أنا لستُ كتلة من الشر ، مازال يسكن أعماق نفسي بقية مروءة ، وبين أضلعي قلب يستقبح الخداع .
ضميري الحي يؤنبني ...
لطالما أراد المكاشفة إلا أن هوى النفس ران عليه والرغبة الطائشة كبلت إرادته .
ضميري الحي لا يستطيع أن يظل متفرجا ، وهناك من يخدش أخلاقك و يساوم على مبادئك الرائعة ، أنه يقف إجلالا لشخصيتك و تقديرا لنزاهة مقصدك ، فأنت لست فتاة عابثة ولا صاحبة هوى غلاب .
ضميري الحي أشعر به الآن يكسر الأغلال و يخرج من معتقله ، ليقول كلمته الشجاعة ويعترف لك بحقيقتي .
سأتركه الآن يتحدث إليكِ ...
أيتها الأميرة ...
أنا الضمير الحي لصاحبي ، سأبوح بكل ما كان خافيا عليكِ ، وليس هناك من يقوى على إجباري على الصمت أو الاكتفاء باللوم الخفي .
صاحبي هذا في ريعان شبابه يمتلئ حيوية ونشاطا ، طالب جامعي يدرس بالمنطقة الجنوبية ، ينظر إلى الحياة الكريمة بأمل كبير ويستشرف المستقبل بطموح متوقد .
في ذلك اليوم أثناء عودته إلى بلدته في الشمال لأجازة نهاية الأسبوع ، مع قريب له موظف في نفس المنطقة . بينما كانا يقودان بسرعة معقولة في الطريق المعروف بخط صلالة - المرهق - إذ بسيارة تظهر أمامهم بغتة ، يبدو أن قائدها لم يحسن التجاوز الصحيح ، فتصافحت السيارتان بعنف .
ليس بالغريب أن تقع حوادث قاسية في هذا الشارع الحيوي والمتهالك معا . ألم يأن أن يُرصف مزدوجا وبإنارة شاملة ، لتطمئن قلوب السالكين فيه ؟! .
نعم ... كانت حصيلة الحادث البشع وفاة القريب مالك السيارة ، أما صاحبي مازالت أنفاس الحياة تتردد في جوفه ، فهُرع به إلى العناية المركزة .
بعد أن استفاق من غيبوبته المؤقتة أجال بنظره في وجوه الطاقم الطبي ، فسألوه عن حاله ، قال أنه لا يشعر بوجود نصف جسده الأسفل ! .
الآن أكثر من عام يقبع في غرفة خاصة بالمستشفى ، يكابد مرارة شلل شبه كامل .
يقضي سحابة نهاره في قسم العلاج الطبيعي ، لترميم أعصابه التالفة وبث روح الحياة فيها ، وفي الليل يتجول في صفحات الانترنت ، وكثيرا ما يبحر في مواقع الدردشة لعله يجد من يأنس وحدته ويتفهم مصيبته بعد أن قل زواره وهجره خلانه .
أحيانا حرقة الألم وصراع المعاناة النفسية تسول له نفسه تزييف الحقائق وصناعة الكذب .
سيدتي ...
هذه قصة صاحبي سيء الحظ ، أرجو أن تصفحي له جريرته بتفهمك لحالته الصحية .
ولك الخيار في اللقاء به كزيارة أخت لأخيها المريض لا أكثر ، عسى أن تربطي على قلبه وتضمدي جراح مشاعره ...
أو قطع التواصل معه من الآن ، والاقتصار على رسالة الكترونية تبلغيه أن يكون بعيدا من حياتك فهو لا يناسبك قطعا ولا يرتقي إلى طموحك البتة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق