" شماعة "
* يعقوب الريامي .
أعتاد أن يمد رجليه وينحني بصلبه قليلا ثم يطلق العنان لأصابعه الماهرة في نسج عيدان الخوص . حرفة السعف ظلت ترافق الجد الكبير منذ كان حارس المدرسة إلى بعد تقاعده ، بقصد تزجية الوقت فيما يعود إليه بالنفع .
سمع كلمات زوجة ابنه تصدر من المطبخ والضيق يرسم خريطته على وجهها :
- مازالت الصحون يتناقص عددها ، عجبا ، أين تذهب ؟
رد عليها :
- قلتُ لكِ مرارا أنهم هم ، البيت مسكون .
خرجت إليه وعبق البهارات النفاذة يتضوع من ملابسها ، قالت وهي تكتم غيظها :
- هل يعقل أن الجن يحتاجون إليها ؟
قال الجد ، وهي تخطو إلى المطبخ مجددا :
- أنتم لا تعرفون طباعهم .
* * * * * *
بعد وجبة الغداء ، قال الحفيد الشاب متذمرا :
- تبا لهذا التلفاز ينطفئ دائما عند منتصف الليل . لقد حرمتُ بالأمس من مشاهدة مباريات الدوري الأسباني .
التفت إليه الجد قائلا :
- ألم أقل لكم أن هناك من يشارككم الحياة في هذه البيت ، إنهم لا يحبون الإزعاج .
قال الحفيد في حماس من يلعب في مباراة نهائية :
- هيا جدي العزيز .. أخرجهم من هنا .
رد الجد وهو يلتقط خوصة جديدة بجانبه :
- لن يخرجوا بسهولة ، علينا أن نتصالح معهم .
* * * * * *
شكوى الأب ما زالت مستمرة من اختفاء ما يضعه في الثلاجة في المساء كالزيتون و الجبنة المملحة ثم في الصباح لا يجده .
الجد يصر أن الجن لهم يد في ذلك .
* * * * * *
في أحد الصباحات ، رن جرس البيت فتحركت الزوجة لفتح الباب ، وجدت ذلك الطفل الهُمام الملقب بـ ( صقر الحارة ) ، دُهشت حين رأت الذي بين يديه ، قال لها :
- خالتي ... هذه الصحون جمعتها من بيتنا ومن بيوت الجيران ، ففي شهر رمضان وعيد الفطر الماضيين كنتِ توزعين المأكولات لهم ولا يرجعونها . اليوم قررتُ إعادتها لكِ .
حملت الصحون في سرور غامر ثم توجهت إلى الجد وأخبرته بالأمر .
ظل الجد صامتا ينفض لحيته مما علق بها من نتف الخوص ليداري حيرته وخجله ! .
* * * * * *
قال الحفيد :
- أبي ... خمسة ريالات هي تكلفة إصلاح التلفاز . المصلح الأسيوي قال أن العطل كان بسبب قطعة كهربائية معطوبة ، عند استخدام التلفاز لساعات طويلة ترتفع درجة حرارتها ، فتعمل على فصل التيار الكهربائي . غالبا يحدث هذا عند منتصف الليل .
كان الجد بعينين مضطربتين يوزع نظرات زائغة في فضاء البيت ! .
رد الأب :
- طيب .. سأدفع المبلغ المطلوب .
قال الحفيد فرحا :
- كم أنت رائع يا أبي ، لهذا سأعترف لكَ بالحقيقة . أنا الذي كنت ألتهم الزيتون والجبنة المملحة ، لأسكت به صراخ معدتي أثناء مشاهدة المباريات آخر الليل .
شوهد الجد بوجه ملون ، يجمع الخوص وأدوات حرفته ثم يتجه صوب غرفته الخاصة ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق