الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

قصة ( شماعة )


" شماعة "
* يعقوب الريامي .


أعتاد أن يمد رجليه وينحني بصلبه قليلا ثم يطلق العنان لأصابعه الماهرة في نسج عيدان الخوص . حرفة السعف ظلت ترافق الجد الكبير منذ كان حارس المدرسة إلى بعد تقاعده ، بقصد تزجية الوقت فيما يعود إليه بالنفع .
 سمع كلمات زوجة ابنه تصدر من المطبخ والضيق يرسم خريطته على وجهها :
-  مازالت الصحون يتناقص عددها ، عجبا ، أين تذهب ؟ 
رد عليها :
-  قلتُ لكِ مرارا أنهم هم ، البيت مسكون .
خرجت إليه وعبق البهارات النفاذة يتضوع من ملابسها ، قالت وهي تكتم غيظها :
-  هل يعقل أن الجن يحتاجون إليها ؟
قال الجد ، وهي تخطو إلى المطبخ مجددا :
-  أنتم لا تعرفون طباعهم . 

* *  * * * *

بعد وجبة الغداء ، قال الحفيد الشاب متذمرا :
-  تبا لهذا التلفاز ينطفئ دائما عند منتصف الليل . لقد حرمتُ بالأمس من مشاهدة مباريات الدوري الأسباني .
التفت إليه الجد قائلا :
-  ألم أقل لكم أن هناك من يشارككم الحياة في هذه البيت ، إنهم لا يحبون الإزعاج .
قال الحفيد في حماس من يلعب في مباراة نهائية :
-  هيا جدي العزيز .. أخرجهم من هنا .
رد الجد وهو يلتقط خوصة جديدة بجانبه :
-  لن يخرجوا بسهولة ، علينا أن نتصالح معهم .

* *  * * * *

شكوى الأب ما زالت مستمرة من اختفاء ما يضعه في الثلاجة في المساء كالزيتون و الجبنة المملحة ثم في الصباح لا يجده .
الجد يصر أن الجن لهم يد في ذلك .

* *  * * * *

في أحد الصباحات ، رن جرس البيت فتحركت الزوجة لفتح الباب ، وجدت ذلك الطفل الهُمام الملقب بـ ( صقر الحارة )  ، دُهشت حين رأت الذي بين يديه ، قال لها :
-  خالتي ... هذه الصحون جمعتها من بيتنا ومن بيوت الجيران ، ففي شهر رمضان وعيد الفطر الماضيين كنتِ توزعين المأكولات لهم ولا يرجعونها . اليوم قررتُ إعادتها لكِ .
حملت الصحون في سرور غامر ثم توجهت إلى الجد وأخبرته بالأمر .
ظل الجد صامتا ينفض لحيته مما علق بها من نتف الخوص ليداري حيرته وخجله ! .

* * * * * *

قال الحفيد :
-  أبي ... خمسة ريالات هي تكلفة إصلاح التلفاز . المصلح الأسيوي قال أن العطل كان بسبب قطعة كهربائية معطوبة ، عند استخدام التلفاز لساعات طويلة ترتفع درجة حرارتها ، فتعمل على فصل التيار الكهربائي . غالبا يحدث هذا عند منتصف الليل .
كان الجد بعينين مضطربتين يوزع نظرات زائغة في فضاء البيت ! .

رد الأب :
-  طيب .. سأدفع المبلغ المطلوب .
قال الحفيد فرحا :
-  كم أنت رائع يا أبي ، لهذا سأعترف لكَ بالحقيقة . أنا الذي كنت ألتهم الزيتون والجبنة المملحة ، لأسكت به صراخ معدتي أثناء مشاهدة المباريات آخر الليل .
شوهد الجد بوجه ملون ، يجمع الخوص وأدوات حرفته ثم يتجه صوب غرفته الخاصة ! .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق