" من وراء حجاب "
* يعقوب الريامي .
في المساء كانت أطياف الفرحة تسري في نفوس العائلة ، فزيارة الحديقة العامة متنفس للزوجات من واجبات البيت التي لا تكاد تغور إحداها حتى تثور غيرها وامتداد لأعينهن لما هو أبعد من الجداران الصامتة ويوم يشهد له الأطفال بأرواحهم المتألقة التي ترفرف عند كل لعبة ، فنشاطهم المرح تتجلى فيه أروع صور البراءة .
هذه هي رؤية العائلة الصغيرة في دواعي ارتيادهم للحدائق في إجازة كل أسبوع ، وها هو الزوج ينادي فيهم كعادته في صخبه العذب :
- يا كسالى ... هيا بنا .
ردت عليه زوجته تمازحه وهي تضع اللمسات الأخيرة على شعر طفلتها :
- لحظات أيها الثائر العجول .
آهِ زوجي العزيز ... سحرتني بلين عريكتك وحسن تعاملك ، كريم خصالك تشهد طيب أرومتك و نفاسة معدنك .
تلوذ بالصمت حين أهاجمك بلساني الذرب وترخي أعصابك عندما يشتد غضبي .
حين لا أكترث بوجهة نظرك في مسألة عائلية وأنعتها بالسخيفة ثم ألح عليكَ بكلمتي الحاسمة ، يضيقُ صدرك لدقائق ثم تعود لسجيتك السمحة .
أما أنا فعندما ترفض تنفيذ طلبي لأمر ما أتجاهل عذرك وأتهمك بالأنانية والعناد وأقليك أياماً مظهرةً لك وجها عابسا . فوق كل هذا تصبر صبرا جميلا وتسعى في إرضائي فأشعر بالخجل من نفسي فأنت المحسن دائما .
تفاجئني بجميل هداياك المنتقاة على عين ، فقد خبرت ذوقي وأتقنت معرفة ما يناسبني .
في صباح كل عيد يرقص قلبي جذلا حين يقع بصري على بطاقة التهنئة منك ، مثقلة بعبارات الغرام و الدعاء ، وقد تعمدت وضعها في دولابي بسرية .
ما أروع كلماتك العذبة في كل رسالة هاتفيه تصلني منك .
أطفالك يأنسون بجلوسك معهم و يترقبون عودتك من الوظيفة بشغف ، تذاكر لهم دروسهم و تعلمهم محاسن الأخلاق . كأني بك تطبق فيهم علم البرمجة اللغوية العصبية الذي هو مجال اهتمامك ليكونوا ناجحين ومبدعين في حياتهم .
أمي تثني عليك في كل مجلس ، وأخوتي يشيدون بتعاونك معهم .
إلا أن أفعالا غريبة بدأت تطرق أبواب حياتك فجعلتني أحتار في فهمها ، فبعد مرور ستة أعوام من زواجنا ظهرت منك سلوكيات غريبة تتسم بالغموض و تدور حولها الشكوك . تستخفي في فعلها و تراوغ في الاعتراف بها .
قطع خيط حديث نفسها ولدها الذي جاء يخبرها أنه و أبيه ينتظرانهما داخل السيارة .
* * * * * *
أمام البيت ... قبل أن يهم بالتحرك استفاقت ذاكرته لأمر ما فالتفت إلى زوجته متسائلا :
- البساط الذي طلبتُ منك تنظيفه ، هل عدت به إلى السيارة ؟ .
في مخيلتها أعادة شريط أعمال يومها إلى أن استحضرت الجواب :
- لا ... مازال في حبل الغسيل منذ الصباح ، سأذهب لإحضاره .
ترجل سابقا خروجها من السيارة ، قائلا لها بامتنان :
- استريحي ... هذه مهمتي .
ظلت تلاحقه بنظراتها المتأملة وهو يفتح باب البيت ...
أفعالك التي تحيكها في الخفاء تجعل أصابع الاتهام تُـشير إليك .
كم كانت دهشتي حين وجدت ميزة رمز القفل في هاتفك النقال مع أنه لا عهد لك بها سابقا ، فكرت طويلا فلم أجد مبرراً مقنعاً لذلك ، حين سألتُكَ سرت في أوصالكَ رعشة كطير بله القطر ثم تلعثمت في الرد . تارة تدعي حمايته من عبث أطفالنا مع أنه قليلا ما يقع في أيديهم ، فهو إما في أسفل جيبك أو في مكانٍ عليّ ، علما أن هاتفي أكثر عرضة لتخريبهم فلا يجدون رغبة في هاتفك فقد أشبعوا وأخذوا كفايتهم ، وتارة أخرى تقول إنك تصلك رسائل من أصدقائك بعض منها تحمل نكات سمجة لا تليق بالأنثى قراءتها فتخشى أن تلتقطها عيني عند استخدامي لهاتفك لأتصل به أو أكتب رسالة بعد نفاد رصيد هاتفي ! .
ضحكاتك آخر الليل أمام شاشة الحاسب الآلي والباب وراءك موصد الأقفال مدعاة للريبة . في الصباح أواجهك فترد بكل برود أنك تتحدث مع أصحابك في ( الماسنجر ) من الذين ذهبوا للدراسة في ما وراء البحار .
بينما كنت أبحث عن دمية ابنتنا التي تركتها في السيارة ، كشف لي القدر على أحد أسرارك فقد وجدتُ هاتفاً صغيراً من نوعية رخيصة مغلق الشاشة في أحد مخابئ السيارة ، حينها هوت التساؤلات تطرق رأسي طرقا ، ما الداعي إلى امتلاك هاتفين في هذه الفترة بالتحديد ؟ ولماذا تتعمد أن تخفيه في السيارة ؟ ، هذه المرة لن أحاصرك بهذه الأسئلة لأني أعلم أنك لن تغلبك الحجة فتجيب أنه لزميلك تركه عندك أو تختلق أي إجابة صفراء .
ممارسة المشي في الليل بمفردك تسميها رياضة مسائية معللا أنها ظاهرة صحية ، وأنا أقول أنها بدعة جديدة في حياتك تنشد فيها الخلوة بنفسك لتسر أفعالا لا تقوى على القيام بها في العلن .
أكاد أشم رائحة المكر في كل كلمة تقولها إلا أنني لم أستطع أن أمسك عليك دليلا يكشف حقيقة تصرفاتك فأنت حذرٌ إلى أبعد حد ، فأجدك تزيل كل آثار بصماتك من مواقع أفعالك .
اجتهدتُ في الاطلاع على أسرار هاتف السيارة الصغير فأعيتني الحيلة ، فالرقم السري يقف أمامي كجدار لا طاقة لي بتسلقه ، مع ذلك حاولت مرتين في الأولى أدخلت رقم سيارتك وفي الثانية تاريخ ميلادك - يبدو أني قد تأثرت بمهارة أبطال الأفلام البوليسية - والنتيجة أن الإخفاق أظهر لي وجهه الكئيب .
أعترف أني بعدها أسررت إلى صديقتي بحالي معك ، فألقت على مسامعي خطبة ملتهبة ، شنعت فيها على مغامرات الحب عند بعض الرجال ، مؤكدةً هاجس الخيانة لديهم إذا ما أتيح لهم ذلك .
محذرةً من سلوكهم المزاجي في البحث عن أجواء عاطفية أخرى ، كذلك عرفتني على مصطلح المراهقة المتأخرة ، ولتدلل على شرحها سردت لي قصصاً حقيقية لأزواج كبار ، عاد فيهم الحنين لصولات و جولات شبابهم الغرامية ، وكيف أنهم كانوا يسلكون طرقاً ملتوية لتحقيق مأربهم .
أقول إنها قذفت في قلبي الرعب ، فبتُ مدفوعة أكثر في فتح صندوق خفاياك ، قبل أن تضيع مني .
كذلك أرشدتني إلى طريقة ناجحة لمعرفة ما يختزنه هاتفك الصغير من رسائل و صور ، ذلك بأن أضع بطاقة هاتفي في هاتفك ثم أدخل الرقم السري الخاص بي فينفتح على كل ما تحتويه ذاكرة الهاتف ، لكن الحظ العاثر كبلني بقيوده فقد عدت لاحقا إلى السيارة فلم أجد هاتفك اللعين ! .
أما هاتفك الرئيس فبعد إلغائك لميزة رمز القفل لتكسب ودي و لتبعد الشبهة عن نفسك ، تحينتُ سانحة ذهابك للصلاة فتجولت في صندوق الرسائل الواردة وتفحصتُ قائمة الأسماء و قرأتُ رسائلك المرسلة فلم أجد ما يفضح ألاعيبك ، أما جهازك فقد ترددت إليه خلسة لعدة مرات لأتصفح ملفاتك الشخصية و مستنداتك وآخر المواقع التي زرتها في الليل لعلي أجد بقايا من أفعالك المريبة ، ففي كل مرة أرجع بخفي حنين .
لا أكاد أفهمك ... إنك تقهرني بمواقفك الغريبة .
مع كل ذلك مازلت زوجا محبا و أبا مربيا و أنسانا مهذبا .
محامدك الكثيرة تجعلني أقدم لك اعتذاري طالبة العفو للتجسس على أفعالك و التنقيب في أشيائك الخاصة .
لو شققت قلبي وفتشت في حجراته لعلمت مقدار حبي لك وغيرتي عليك ، فأنا على يقين أنك لن تلومني و ستصفح عني فهذه من شمائلك .
يؤرقني هذا التناقض في شخصيتك ، ما بين وفائك لحقوقي الزوجية وبين قيامك بأفعال منكرة ربما تكون سببا لهدم بيتنا الزوجي .
في النهار مشغولة بتعقب حركاتك وفي الليل مهمومة بتفسيرها . إنك تؤذيني بحق .
عاد الزوج يحمل ما ذهب لأخذه من البيت ...
ما أن استوى في مقعد السيارة حتى رفع يده ثم دفنها في جيبه الأول ، حرك أصابعه قليلا ثم انتقل بيده الأخرى إلى جيبه الآخر .
كانت زوجه تنظر إليه خلسة تراقب فعله ، سألته بتخابث :
- ما الذي تبحث عنه ؟
رد في كدر :
- هاتفي .. آمل أن لا أكون نسيته في البيت .
في البدء تظاهرت بخبث أنها لا تعرف عنه ، وزعت نظراتها الباحثة في السيارة بعشوائية ، بعدها أظهرت دهشة مصطنعة ثم أشارت بيدها ، وقالت في نزق :
- هذا هو في السيارة ... أنت محظوظ .
بهجة حصوله على هاتفه خالطها شعور بالقلق من البريق العجيب لعيني زوجته و وجهها الثعلبي الذي كشفـته له ونغمة صوتها التي تشي بما لا يفقه .
* * * * * *
أضواء مصابيح الحديقة كأنها نجوم بازغة في صفحة السماء . بوابتها الضخمة مشرعة ككريم فتح باب بيته للعابرين ، والزائرين يغترفون من متعها ما يبلغهم الحبور في سرائرهم .
تنقلت العائلة في مرافق الحديقة . الأطفال لا يفتئون ينتقلون من لعبة إلى أخرى كلما ظنوا أن هذه تروي رغباتهم ظمئوا لغيرها .
بينما هم كذلك همس الزوج في أذن زوجته ، طالبا منها الاعتناء بالأطفال ريثما يعود من قضاء حاجته البيولوجية ، مؤكدا لها أنه لن يطول به المقام .
تلاحقت خطواته مختفيا عنهم ، وهو لا يعلم أنه يتبع خطوات شيطان الهوى . شعر بلذة تحرره من رقابة زوجته وأن الوقت آن ليخلو بنفسه في ممارسة غوايته .
أخرج هاتفه من جيبه فتح خدمة البلوتوث ، تأكد من اسمه المستعار الجديد ( فاقد الحب ) ، الذي دونه هذا الصباح باختيار و مباركة من زميل الوظيفة ، فهو خلاصة خبرته العريقة في فن الدندنة على أوتار عاطفة الفتيات ، مدعيا أن هذا الاسم هو البلسم الذي يضمد جراح المراهقات أو العامل الذي يستثير مشاعرهن فترف قلوبهن ولعاً به .
اختار خاصية البحث عن الأجهزة المفتوحة .
ظهرت له أسماء مستعارة كثيرة ، الرومانسي – همسة حب – هلا و غلا - ....
لم يرق له أحداها فأستحسن أن يلقي بصنارته في لجة أخرى لعل الصيد فيها أوفر .
لمح مقهى يضج بكلا الجنسين فأستبشر به ، اقـتعد في إحدى الكراسي في استرخاء ...
زوجتي العزيزة ... أعلم أن ما أقترفه الآن يشعل الغيرة في صدرك ويمزق حبال الثقة بيننا .
الأنوثة كالبحر عميقة الغور واسعة الأرجاء ، من رغب في اكتشاف مكنوناتها فلا بد من العوم فيها ، لا يكفي أن يلم بأسرارها من زوجة واحدة بل من زوجات فإن لم يستطع فخليلات .
زميلي في الوظيفة ذلك الشاب الوسيم الذي يسرد لي كل صباح حكايات غرامه ، متباهيا بكيفية نسج شراكه و إحكام خططه في مواقع الدردشة أو عند الترقيم في المجمعات التجارية و الحدائق أو عند ملاطفة المحاسبات .
أقر أن زميلي هذا فتنني بأفعاله المثيرة واستعذبت سلوكه ، فتاقت نفسي أن أحذو حذوه وأقتحم هذا العالم الممتع لأثبت ذاتي ، مغامرا بتجربتي الحديثة و حيلي الغضة ، مقامرا بسمعتي الصافية و أخلاقي الحسنة .
ثقي بي ... اتخاذي صديقة لا يعني جفاءك أو الانتقاص من حقك ، فأنت شريكة الحياة و أم الأولاد ، أنت قلعة الحب الحقيقي فلا أرضى بك بديلا ولا شريكا .
تأكدي أن الفتاة التي أتعرف عليها ستكون علاقتي معها كأخت أو زميلة عمل , سأبادلها الاحترام و الأدب و سأعصم نفسي من التحول إلى ذئب بشري كما يفعل أولئك الماكرون الذين يبـيتون الغدر بالنيل من شرف الفتاة أو ابتزاز مالها إن كانت موظفة .
غايتي من ذلك هو إطفاء سعار الفضول الذي يثور في نفسي لمعرفة المزيد من هموم و تطلعات الجنس اللطيف والنظر في أحوال المجتمع الأنثوي عن قرب . فإن كان غير ذلك ستكون من التسالي المرحة في وقت الفراغ .
عاد في البحث مجددا ، تقاطرت أسماء مستعارة متعددة احتار في أمرها ، فبعض الأسماء يكتنفها الغموض في تصنيف شخصها ، هل هي ذكر أم أنثى ؟ ، فقرر الإمساك عن المراسلة ليربأ بنفسه أن يقع في فخ المخادعين من الذكور من الذين يصطادون في الماء العكر .
تريث قليلا مقلبا نظره في وجوه زبائن المقهى ، عاد بعدها في البحث البلوتوثي ، ظهرت الأسماء السابقة مع أخرى جديدة ، شد انتباهه اسم ( فاقدة الحب ) فتحفزت نفسه الأمارة بالسوء في إلقاء الطعم ( الكلام المعسول ) .
خط في صفحة هاتفه ...
- مرحبا بالتي تشبهني .
مرت عليه ثوانٍ ثقيلة ينتظر فيها بلهفة .
انفرجت أساريره بعد أن جاءه الرد :
- مراحب ... لم أفهم قصدك .
زاد حماسه في مد حبل الحديث .
- هل تعلمي أن الفرق بين أسمائنا هو حرف التاء المربوطة التي أتفاءل بها في أن تربطنا معا .
كان ردها هذه المرة أسرع من قبل .
- ما أروع تحليلك ... كذلك المشترك بيننا هو فقدان الحب .
- صدقتِ ... لذا علينا أن يمنحه كل واحد منا للآخر .
تناثرت بينهما كلمات المديح و رصت عبارات الغزل إلى أن تأججت رغبة اللقاء . حينها قال :
- دعينا نثمن وقتنا . أنا في مقهى الحديقة متشوق لرؤيتك فقد بهرني حديثك .
- سأحدد موافقتي بعد إجابتك على أسئلة تشغل بالي ، كم عمرك ؟ .. وهل أنت متزوج ؟ .
أضطرب لهذه الأسئلة الثقيلة عليه ، فهو على مشارف العقد الثالث ومن الحكمة إخفاء بيان سنه ، فربما الفتاة أصغر منه بكثير فتنفر من التواصل معه وتنسل من شباكه . بيد أن العقبة الكبرى في أنه متزوج .
بعد دوامة من التفكير ، تفتق عقله على جواب من النوع الدبلوماسي الذي تغرق الحقيقة في تعدد أوجه تأويله بقصد الخروج من دائرة الاعتراف الصريح والبعد عن الكذب البواح .
رد بثقة من سيكسب الجولة :
- أنا عشريني ... وقلبي الكبير يتسع لك .
- طيب ... صف لي هيئتك . أنا قادمة .
* * * * * *
تملكته نشوة عارمة لرؤية صيده الثمين فقد وفق في ابتلاع الطعم وسحب الحبل بحرفية . ظل يرسم شكلها في خيالاته يُمني نفسه بفتاة ذات شخصية جذابة تتفهم قصده النزيه .
راح يهذب هندامه ونظراته الزائغة تتفحص الوجوه ، كلما شاهد فتاة تدنو منه حدق فيها لكي لا تخطئه .
أحس من خلفه بيد تمسك كتفه فأشاح بوجهه تلقائيا ...
شخص بصره في ذهول ، شعر بانحباس أنفاسه و تورد خديه ... تجمد في جلسته .
رأى وجها مكفهراً وعيوناً تنفذ منها نظرات متجهمة ، انطلقت كلمات جافة مشبعة بالحنق :
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق