الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

قصة ( التقدم للوراء )


 " التقـدم للـوراء "        
* يعقوب الريامي .


الرغبة في نزوله ضيفا عليّ أمر لا عجب فيه فزياراته سابقا كانت تترى ، إلاّ أنَّ مكاشفته بهدف قدومه بأن يوجه لي سؤلا واحدا فقط راجيا أن أجيبه بكل صدق و وضوح ، دفع الأفكار الصاخبة إلى شق طريقها لرأسي وإغراقي في لجة التساؤلات . 
في المساء استقبلته بثغر باسم ورحبت به بحرارة  .
يشدني فيه احترامه المفرط للجميع وإيثاره الصمت الطويل ، خلاله الحميدة تنطق بها أفعاله ومبادئه الرائعة تتجسد في سلوكه .
مارست عليه تلك العادة الاجتماعية المتأصلة في خلايا دمنا التي ما تزال تقاومُ بثباتٍ عاصفةَ العصرنةِ ، هذه العادة تبدأ بالسؤال عن الحال و الأخبار ثم تنتهي – غالبا – بجواب النفي والحمدلة . كنت أعلم أنه ابن القرية المحافظ وأنه يعض عليها بالنواجذ فإن لم أتقيد بها ستكون صفعة في وجه تقاليد مجتمعه وإقلالا من قدره فلهذا فعلت .
*  *  *  *  *  *  *  *
أسند رأسه على الأريكة ثم زفر ما تبقى في رئتيه من هواء مطبقا على جفنيه لبرهة بعدها فتح عينيه مرسلا نظرات واهنة تنم عن روح أضناها الألم ثم قال :
آن الأوان أن أصارحك بحقيقة طالما أخفيتها عن الكثيرين وبحت بها لمن أتوسم فيهم الرأي السديد لعلي أجد منهم كلمة مخلصة تشد عزيمتي المثلومة ودواء يلتئم به جرحي المتسع . أنت زميل الوظيفة و عهدي بك تعين الناس على نوائب الدهر .
كنت أرفل في نعمة سابغة و صحة مديدة زوجي سكنٌ لي ورحمة وطفلتي أنس بيننا و بهجة .
ذات صباح قبل أكثر من ستة أشهر من الآن استيقظت من نومي الهادئ فأعملت السواك بين أضراسي سنة يومية لا أنساها كما لا أنسى اسمي ، بعد ذلك وجدت خُلُوف فم النائم المعتاد مازال عالقا هونت الأمر حين انقدحت فكرة مزج القليل من حبات الهيل في شاي الصباح ، إلا أن رائحته الزكية لم تصمد أمام رائحة فمي الكريهة هذا ما ظهر لي في الساعات التالية .
حاولت جاهدا أن أتجاهل هذا العارض الجديد والغريب في آن واحد ، فلم أجد إلى ذلك سبيلا فالرائحة تصر على الانبعاث  .
مرت بضع ليالٍ وأنا على هذا الوضع المزعج أغالب الرائحة المقرفة تارة باستعمال معجون أسنان معطر برائحة الفواكه وتارة بمضغ العلك بطعم النعناع اللاذع ، إلا أن رياح الإخفاق كانت تذروا جهدي في العدم .
الرائحة المتطايرة تعكر صفاء مزاجي و تشل هدوء تفكيري وتدفعني دفعا لمراقبة الناس فتجدني أبتعد قليلا عند التحدث مع أحدهم ، لكي لا يتأذى ببلائي ثم يكتشف علتي فينقبض وجهي أسفا .
أيقنت أني سقطت في حفرة المرض وأن عليّ البدء في رحلة البحث عن حبل الدواء لأصعد به إلى أعلى ثم أرتدي تاج الصحة .
كمن يمشي على الوحل كانت خطواتي ثقيلة وأنا أدلف غرفة الطبيب العام ، كنت أشرح له حالتي بكلمات خجولة ، فتحت فمي على اتساعه أنار ضوءا ساطعا ثم صوب نظراته الفاحصة ، قال وهو يخلع الكمامة :
- لا يبدو عندك التهاب في اللثة ونسبة اللعاب طبيعية جدا وأجزم أنك لا تدخن ، سأصف لك غسولا وقبل ذلك اذهب إلى طبيب الأسنان لأنّ بعض أسنانك فيها من السوس ما قد يكون سببا لذلك.

بدأت أمقت نفسي  وأضيق ذرعا بهذه الرائحة التي لا أعلم لها سببا ، هذا الغموض يقلقني .
توالت الأيام فبـياض أسناني وغسول الطبيب العام لم يثمران عن نتيجة إيجابية .
صارحت زوجي بهمي في البدء تعاطفت معي وزرعت فيّ روح الأمل بالشفاء لكن بعدها أظهرت لي وجها ساخرا متجاهلة ما أنا فيه .

عقدت العزم على إعادة الكرة في المستشفى المركزي للولاية . قابلت الطبيب المختص في عيادة الأنف و الأذن و الحنجرة ، أمطرني بوابل من الأسئلة التحقيقية  متى .. كيف .. هل .. ؟  وأجرى عدة فحوصات منها تصوير مقطعي لمقدمة الوجه ، تأمل صورة الأشعة طويلا ثم رمقني بنظرة جادة ثم أكد لي أني بخير و سليم ولا توجد علة واضحة ، بعدها قرر إرسالي إلى الطبيب النفساني في ذات المستشفى كمرحلة من مراحل العلاج .
مثلت بين يديه قرأ تقرير الطبيب المختص ثم حاصرني بأسئلة عميقة في تكويني النفسي وطبيعة سلوكي في الحياة ، بعد ذلك أسهب في شرح مصطلح الصحة النفسية ووجوب التصدي للأفكار السلبية ثم طلب مني التوقف عن التفكير في هذا العارض المرضي و تجاهل الشعور بالعلة والانطلاق في الحياة بروح السليم المعافى . وأخيرا أكد لي مجددا كالطبيب السابق أني بصحة جيدة ولا يوجد مرض حقيقي ، وأنه يعتذر عن تقديم دواء محدد لانتفاء أعراض المرض .
استمعت إليه و أمواج الحيرة تتقاذفني هل أقتنع بكلامه أم علىّ فعل شيء آخر ؟
إذ إنني لم أشكُ له من وساوس تضطرم في مخيلتي بل رائحة تفسد عليّ متعتي في الحياة .
أقول الحق إن كلماته أحيت لي معاني التفاؤل و أكسبتني القدرة على تقزيم المرض والتخفيف من تهويلي له لكن في قرارة نفسي شيئا خفيا يدحض ذلك و يحصرني في دائرته المغلقة .
ثم إنه حدد لي موعدا لتصوير مقطعي للدماغ ليتعرف على حالتي أكثر ، علما أن جهاز الأشعة هذا يوجد في مستشفى الأمراض النفسية و العصبية ! . قبلت الموعد على مضض .

أيعقل أن تطأ قدمي هذا المستشفى الذي غالبا ما يلتبس رواده بشلل عصبي أو اضطراب نفسي ، هل أكون فعلا مثلهم ؟ ما هذا القدر المشئوم الذي يرميني هنا ؟ ليت جهاز الأشعة هذا في مكان آخر .
حين هالني مشهد ثلة من المرضى بنظراتهم البلهاء و صراخهم الهادر و حركاتهم العابثة أدركت  نعمة العقل و صحة النفس .
كل هذه الخواطر كانت تتوارد على عقلي وأنا أتحرك في أجنحة المستشفى .
بعد أجراء الأشعة طُلب مني مراجعة الطبيب النفساني السابق في المستشفى المركزي لأن نتيجة التصوير سترسل إليه تلقائيا . انقضت عدة أيام ولم أذهب إليه لأتبـيّن كلمته لا أدري لماذا أحجمت عن ذلك ؟ بهذا طويت صفحة العلاج في المستشفى المركزي بكل تداعياتها .

هذا البخر العنيد  أوجد جفوة بيني و بين طفلتي أحس بها حينما ترتمي في حضني بشوق ، فأبعدها برفق وقبلاتي التي تناقصت ، كنت أفعل ذلك ونار الحب الأبوي يلسع قلبي .
ابن عمي من الأصحاب المقربين في القرية أسررت له بمعاناتي طالبا منه المشورة  ، لم يبدِ جوابا  غير رفع يديه إلى السماء داعيا لله أن يفرّج كربتي ويمّنّ عليّ بالعافية .
بعد عدة أيام عرض عليّ معجون أسنان لم أر مثله قط قلت له :
-  قد عجزت كل معاجين السوق حل مشكلتي فلا أريد المزيد .
رد بحماس ظاهر :
-  إلا هذا المعجون المتميز هو من إنتاج شركة عالمية تُعد كل مستحضراتها مكملات غذائية أكثر من أدوية ، جربه لن تخسر شيئا .
عكفت على السواك به ليلا و نهارا فلم يزدني إلا إحباطا ، كان الأمل يبتسم لي في كل مرة لكن ما يلبث أن ينطفئ بعد حين .

آه ... كم ترهقني هذه الرائحة بالنهار تحرجني وبالليل تقذفني بِهَمّ التفكير بكيفية التخلص منها ، والذي نفسي بيده لو كانت بشرا للقي حتفه بيدي .
لم أجد من يفهمني و يقاسمني همي أحيانا تند من لسان زوجتي كلمات رائعة تحثـني أن أفهم نفسي أولا ليفهمني غيري وتكرر عليّ مقولة الإنسان طبيب نفسه . لم أتبين ما ترمي إليه إلا أنني أثمن تضامنها معي وفي الوقت ذاته لا أثق في توصيفها لحالتي فهي تعاني من ضعف حاد في حاسة الشم . ذات يوم دخلتُ المطبخ فوجدتُه يضج بالرائحة المتسربة من أسطوانة الغاز وهي تنظف الصحون في هدوء و اطمئنان .
وابن عمي خجول حتى النخاع يخفي حقيقة حالتي فأجده يداري خجله بالصمت مع احمرار وجنتيه فهو لا يريد أن يحرجني فيكتمها في صدره . أذكر كنا في سفر بالسيارة أوجست منه خيفة حين رأيته يتلوى في مقعده يعصر نفسه عصرا ، عندما وقفنا للصلاة انطلق كالرصاصة لبيت الخلاء إنه يخجل من البوح عن معاناته فكيف يتجرأ على الإفصاح بمصائب غيره ؟ .

تلك القناة الفضائية ، تظهر لي – بطريقة عجيبة - في كل مرة أتناول فيها جهاز التحكم  ، حينما أتابع برامجها يداخلني شعور أنها تقصدني وأنها وجدت لي لتقدم الدواء الناجع الذي يخلصني من أوجاعي ، صاحبها ذلك الرجل الذي ذاع صيته و طارت شهرته فهب الناس إليه زرافات ووحدانا يشفي عللهم من الزكام إلى السرطان .
سألت القرية عن كفاءته و أمانته ، قال قائل منهم : أمسك عليك مالك واتق الله إنّه يبيعك الأمل ، وقال أخر : الغريق يتشبث بقشه إن لم يجد ما ينقذه ، فإن كنت كذلك فاقصده .

شددت رحالي و توجهت إلى عقر مركزه فإذا بقاعة الانتظار تغص بأجساد أوهنها السقم وأنفس جرحها سياط اليأس ، الكل جاء يتخفف من ثقل عاهته بعدما ناء بحملها أطباء العصر .
في غرفة العلاج استقبلتني فتاتان الأولى كانت عيناها الكحيلتان تحدقان في شاشة هاتفها الجوال بشراهة وأصابعها الغضة تتنقل بين أزراره بخفة ، رجّحت أنها كانت غارقة في إحدى غرف الدردشة ! أما الثانية رسمت على شفتيها ابتسامة باهتة ثم طلبت مني توضيح معاناتي ، سردت لها قصتي بتوجع لم تسألني عن تفاصيل حالتي كل ما فعلته دونت بعض الكلمات على الحاسب الآلي الذي بدوره لفظ ورقة الدواء ثم دفعتني إلى الصيدلية في العيادة ذاتها .
قلتُ لها بانفعال :
-  ما هذا ؟ ... أريد مقابلة الشيخ المعالج ليشخص حالتي بنفسه .
ردت بدون أن تصرف نظرها إليّ :
-  إنه مسافر ونحن نفهم عملنا .
قلت لها ساخرا :
-  إذن أنت الشيخة المناوبة . 
كظمتُ غيظي و انسحبتُ بهدوء .

العجب كل العجب أمراض مختلفة و الدواء واحد وأعراض متباينة و الأسباب متشابهة ، فالجميع ما بين كيد حاسد أو رهق جان . كانوا جميعا يغادرون العيادة بوجوه مسفرة بنور الأمل وفي أيديهم الدواء ذاته زجاجة زيت الزيتون المقروء عليها آيات من المصحف الشريف و تسجيل سمعي للرقية الشرعية بصوت الشيخ المحتجب في أسفاره الطويلة .
بعد عدة أيام من تعاطي الدواء أقول إني رجعت بخفي حنين ، عندئذ أدركت أنها كانت مسرحية وأنا مثّلتُ أحد أدوارها .
لأواء المرض جعلني لا أطيق نفسي فبت أهيم بفكري ألتمس سُبل العلاج أطرق جميع أبوابه إلى أن زيّن لي أحدهم سوء دعوته فرأيتها حسنة ، وهي زيارة معالج يسكن في المدينة يمارس السحر الأسود مؤكدا لي طلب المعالج إحضار حمامتين سوداء و بيضاء عند زيارته . 
ذهبتُ إليه متخفيا من أعين الناس لكي لا تُخدش سمعتي .
قعدت قبالته في جو يضج بالرهبة انطلقت كلماته بعربية ركيكة يسألني عن اسمي و اسم أمي ثم تفاصيل مرضي .
بعدها تناول قلمه السحري يخط في ورقة بيضاء كلماته الطلاسمية ثم قام من مجلسه وأخذ يدور حولي تالياً ما كتبه بلغة لا يفهمها غيره .
غمس الورقة في ماء ثم طلب مني شربه ! ... ارتشفت بعضا منه باشمئزاز .
بعدها التفت أصابعهُ حول الحمامة الأولى وهو يرطن بطريقة تبعث على الغثيان إلى أن سكن تحركها في وقت قصير جدا فسقطت ميتة - هكذا يبدو لي -  ثم أخذ الحمامة الثانية وأعاد فعلته وحدثت ذات النتيجة ، لم أفقه سر مهارته في القتل الرحيم إذ كنت أشعر بالخدَر من شدة الدهشة .
وضع يده على رأسي وطفق يتكلم بعجمته التي تمجّها الأسماع .
بعدها سلمني ورقة مليئة بحروف مبعثرة و أشكال هندسية بها أرقام متنافرة وألزمني الاحتفاظ بها في حلي و ترحالي .
الأيام التي تلت كشفت لي أن أمراضنا لا تـشفيها أحابيل مشعوذ ولا أراجيف دجال .

فكرة جديدة بدأت تطل برأسها عليّ باستمرار استحسنتها لما وجدت إقبال الكثيرين عليها ، هي السفر للعلاج في الخارج إلى دولة يشار لها بالبنان حازت قصب السبق في الطب المتقدم و السياحة العالمية المنظمة .
آمل أن تكون هي المحطة الأخيرة والحاسمة في رحلتي من أجل الشفاء التي طال أمدها  .
قبل أن أشرع في إجراءات السفر رغبتُ أن أتثبت منك شخصيا ، فأنت زميل الورشة و جليس غرفة الاستراحة ، العمل الجماعي هو ما يميز عملنا  يكاد كتفي يلمس كتفك وشهيقك يسحب زفيري ، أجبني بصدق الصديق الصدوق و صراحة الأخ المحب وبعيدا عن الحياء الاجتماعي الذي يفقدنا الحقيقة التي نبحث عنها .
هل حَدَثَ أن شممت رائحة كريهة مصدرها فمي ؟ ... هل أصابك هذا البخر مني ؟ 
أجبني ليطمئن قلبي و لأتقدم خطوة في تشخيص مرضي ثم على ضوئه أعيد ترتيب أوراق علاجي  .

*  *  *  *  *  *  *  *

أربكني سؤاله إذ كان عليّ أن أجيبه بإخلاص و شفافية  ...
أرجعت ذاكرتي لأيام مضت قضيناها معا في مقر العمل ، تأملت صورا من سلوكه و ألوانا من أفعاله ، دققت في تفاصيل حركاته ، قيامه و قعوده ، حديثه و صمته ، فرحه و حزنه ، غضبه و ابتسامته ، بعدها تبيّن لي الجواب الشافي فقلت له بنبرة حازمة و ثقة تامة :

-  قطعا ... لم أشم أي رائحة مؤذية مبعثها فمك !! .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق