الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

فقاعة الصابون


"  فقاعة الصابون  "
 
* يعقوب الريامي .


( من مذكرة مواطن ) .

في صباح هذا اليوم قفلتُ عائدا من السوق بعد شراء ما طُـلب مني من احتياجات البيت .
في الطريق لاح أمامي مشهد لسيدة - ليست عُمانية بالتحديد - تقف على جانب الشارع ينم حالها أنها تترقب مرور سيارة أجرة . لكبر سنها أخذتني الشفقة عليها فدعوتها للركوب فوافقت بدون تردد . تكلمت معها كما يتكلم الابن مع أمه ، تعرفتُ عليها وسألتها عن مكان إقامتها و إلى أين تريد .
استأنستُ بلطف حديثها و سلاسة كلماتها إلى أن طفقت تذكر أحداثاً وقعت لي في الماضي ، علما أن هذا أول لقاء بيننا وأجزم أنها لا تعرفني مسبقا .
فقد صرحت أني في طفولتي ضربني أبي ضربا مبرحا لفعل قبيح اقترفتهُ .
و كذلك ذكرتَ حادثة سقوطي من دراجتي الهوائية في الفلج  وشغفي في صغري بصيد العصافير .
كل ما ذكرته السيدة حقيقي في حدوثه وصائب في تفاصيله ، فقد شاهدني أبي في صغري متلبساً ويدي تمتد إلى محفظته فعاقبني بقسوة ، طفولتي مليئة بالشغب لهذا كثرة مرات سقوطي بالدراجة ، أما صيد العصافير فكانت هوايتي المفضلة .

كنت أسمع لها مبهوتا لا أقوى على الإنكار .
وأعجب من ذلك أنها واجهتني بحقائق أعايشها اليوم ، فقالت أني أعاني من أزمة مالية  وأختلف مع إخوتي في بعض المسائل الأسرية ، وهذا صحيح  .
لقد شدتني ثقتها بكل كلمة تقولها و بهرني صدق ما ذكرته في واقع حياتي ، فأيقنت بقدرتها الخفية في اختراق حُجب الماضي و الإطلاع على مفردات الحاضر .
ثم إن السيدة صارحتني بأمر خطير أفجعني فقد أكدت أني مسحور ، وأن السحر قد التبس بي منذ فترة قصيرة . أحسستُ برعدة خوف تسري في بدني فانتفض لها قلبي يخفق هلعا وبجسدي ينكمش كالمنديل الساقط  . أخذتُ ما قالته على محمل الجد فقد كشفتَ لي عن حقيقة السحر الذي يمكن أن أُبتلى به وليس هناك ما يسد باب وقوعه عليّ .
ثم إنها عرضت عليّ مقدرتها على فكه و إزالة مفعوله ، فشعرت بالأمل يُحيّ نفسي المتهالكة و يشد من عزيمتي المتضعضعة . اقـتنعتُ بحاجتي إلى التخلص من هذا الأذى فأبديت لها رغبتي في ذلك و سلمت لها زمام نفسي تفعل بها ما تشاء .
طلبت أربعين ريالا أجر مجهودها ، هو بالنسبة لي ثمن بخس إذ لا يعادل عافية منيعة ربما أنفق أضعافها وأنا ألهث وراء الأطباء وأستجدي المعالجين . سلمتها عشرين ريال معتذرا أنه ليس عندي غيرها الآن والباقي لاحقا .
شرَعت في ذكر تفاصيل الوصفة التي تحررني من قبضة السحرة و تذهب عني البأس . ماء و ملح و مقادير أخرى ، اخلط هذا مع ذاك واشرب هذا وامسح بهذا على جسدك .
حاولت أن أحفظ الوصفة عن ظهر قلب فلم أتمكن فكتابتها عصية لأني كنت مشغولا بقيادة السيارة . وصلتُ المكان الذي تُريده ثم خرَجَت ، وانتهى كل شيء .  
تركتني السيدة واجما في السيارة ، أرقب خطواتها وهي تختفي بين الأزقة .
انهالت عليّ الهواجس المقرفة و انتابني القلق الممّض  ، حدثني عقلي بخطر مجهول سيحدق بي وأن الساحر لن يمهـلني كثيرا فيعاجل في بث سمومه  وتحقيق مآربه . نظرتي إلى معالم الحياة تبدلت فتراءت لي الألوان الجميلة سوداء باهتة والأشياء من حولي كأنها تناصبني العداء .
فجأة استفقتُ على أثر بوق هادر لسيارة مرت بجانبي بسرعة ، فتنبهتُ إلى أني أوقفتُ سيارتي في الرصيف وجزء منها داخل الشارع العام .
حينها تأملتُ كل كلمة قالتها السيدة ، وقلبتُ فكري في مجريات حدث لي ...
فشعرت بعودة الرشد إلى عقلي ، وتحَرري من أغلال الخديعة  ! .

تمت الكتابة في العاشرة مساءا ، من نفس يوم الحادثة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق