" بين السماء و الأرض "
* يعقوب الريامي .
" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . قائد الطائرة ... يرحب بكم على متن طائرة الناقل المحلي التي ستقلع من مطار العاصمة إلى الجزيرة الشرقية . ستستغرق الرحلة خمسة وأربعين دقيقة على ارتفاع أربعة وعشرين ألف قدم . رحلة ممتعة للجميع "
يستمع الركاب إلى تفاصيل الرحلة الصباحية وجلبة خفيفة تسرى بينهم . هذا يحدث زميله وذاك يشد حزام الأمان وآخر يهيئ مقعده .
كان من بينهم محمود موظف في شركة الكهرباء بالجزيرة ، ذاهب إلى عمله بعد انتهاء إجازته السنوية .
بعد دقائق من استواء الطائرة في الهواء أحس محمود بالنعاس يثقل على جفنيه ويشتت تركيزه فعمل على إرجاع المقعد إلى الخلف قليلا ثم أسند رأسه عليه طلبا لغفوة لعلها تمتص تعبه .
بعد فترة استيقظ على حركة أحد الملاحين وهو يوزع زجاجات الماء البارد . استلم واحدة فارتشف منها عدة رشفات ليمزق حبال الكسل التي طوقت نشاطه .
نظر إلى ساعة معصمه فتبين له مرور نصف ساعة على الرحلة ، وما تبقى غير خمسة عشر دقيقة على النزول في مطار الجزيرة فقرر استغلالها في قراءة مجلته المفضلة .
* * * * * * * *
أحجم عن القراءة بعد تقديره لمدة الرحلة إذ تبين له أنها أزفت على النهاية . أجال نظره في وجوه الركاب بعشوائية فلمح إحدى النوافذ مفتوحة الستار . راح يتأمل منظر السماء الصافية التي تزينت بالغيوم البيضاء فكانت لوحة إلهية خلابة .
في هذه الأثناء برقت في ذهنه خاطرة جعلت هاجس الشك يرتاد دواخل نفسه في أن هناك أمراً غير طبيعي .
أعاد النظر مجددا في ساعته فأدرك أن مدة الرحلة قد انتهت بل تجاوزت خمسة وأربعين دقيقة منذ الإقلاع ، والطائرة ما تزال في علو مرتفع نسبيا وليس هناك إشارات تدل على قرب موعد الهبوط بالرغم من تلقي الركاب تعليمات بربط حزام الأمان منذ فترة طويلة .
في ظل هذه الاستدلالات راح يحدث نفسه ...
كثيرا ما حلقتُ في عدة طائرات من العاصمة إلى الجزيرة ويستغرق المدة نفسها ونادرا ما تتأخر في الوصول . اليوم الجو هادئ وصحو ومناسب للطيران بشكل منقطع النظير ، لم أشعر بوجود مطبات هوائية ، فلماذا التأخير ؟! .
اقتنع محمود بتحليله العلمي إلى حد ما وزادت ثقته بنفسه .
أعتدل في جلسته ثم أعاد ضبط قبعته متخذا قرارً بلا تردد في سؤال الملاح ، ليدخل الاطمئنان في نفسه وليلبي نزعته الفضولية في معرفة حقيقة المسائل التي تبدو مبهمة .
شاهد تحرك أحدهم بجانبه فبحث في قاموس لغته عن الكلمات المناسبة لصياغة السؤال ، اقترب الملاح منه فقال محمود :
- يبدو لي أن الطائرة تأخرت عن موعد وصولها إلى الجزيرة ، هل هناك سبب معين ؟
انصدم الملاح بالسؤال الجريء فظل يحدق في وجه محمود بعينين مفتوحتين على اتساعهما ، تنحنح قليلا ثم قال :
- ما أخبرني به قائد الطائرة أنه تلقى بلاغا أو بالأحرى طلبا من وزارة البيئة بمتابعة بقعة زيت تطفو على سطح البحر لمعرفة اتجاهها وسرعة تحركها ، وهذا المهمة يحتاج إلى وقت .
لم يعلق محمود على جواب الملاح سوى ابتسامه جانبيه ناطقا بكلمات الشكر .
تنهد الملاح في ارتياح ثم انصرف لشؤونه .
ظلت الأفكار تسيل في عقل محمود ، فالجواب لم يقنعه .
بعد ذلك التفت إلى من جواره وهو شاب قريبا من عمره اسمه خالد ارتدى حلة الصمت منذ ولوجه الطائرة . تعرف عليه ثم طرح عليه سؤالا واضحاً .
- هل سمعت ما دار بيني و بين الملاح من حديث ؟
- نعم ... سألته ثم أجابك .
محمود بتفاعل ظاهر :
- هل كان كلامه مقنعاً ؟
فكر قليلا ثم قال :
- لم لا ؟ ... استغلت وزارة البيئة تحليق الطائرة فوق البحر لمراقبة تحرك بقعة الزيت وهذا عين الصواب .
- هل يعقل أن تقوم طائرة ركاب مدنية بهذا العمل ؟ علما أنه يوجد قسم خاص عند الشرطة يعرف بقسم البحث و الإنقاذ يمتلك طائرة عمودية للقيام بمثل هذه الأعمال .
وكذلك يوجد في سلاح الجو طائرات خفيفة استطلاعية واكتشافيه تستطيع القيام بهذه المهمة على أكمل وجه بل هو من صميم عملها .
خالد مترددا :
- لا يخلو تحليلك من الصحة ، ماذا تريد أن تقول بالضبط ؟
محمود بحماس :
- أريد أن أقول أن الملاح لم يقل الحقيقة في سبب تأخر الطائرة .
خالد بنبرة جادة :
- كلامك هذا يثير الرعب لمن يسمعه ، أنصحك لا تنساق وراء ظنونك واترك الأمر لأصحابه .
محمود منزعجا :
- سأحاول .
* * * * * * * *
سادت فترة صمت بينهما . محمود غارق في التفكير تضطرم الهواجس و التساؤلات في عقله ، محاولا صرف تفكيره عن الموضوع فلم يجد إلى ذلك سبيلا .
بينما هو على هذا الحال اشتعلت في رأسه فكرة ...
محمود بتلطف :
- خالد أطلب منك مهمة بسيطة ، أرجو أن تسأل الملاح الثاني عن سبب تأخر الطائرة ؟
خالد بتذمر :
- مرة ثانية عدنا لهذا الموضوع .
- أنت اسأله فقط ولا تجادله ، يبدو لي أن هذا عملٌ سهلٌ جدا .
خالد بلهجة حازمة :
- أعذرني عن القيام بهذا العمل فلستُ متلهفا مثلكَ لمعرفة ما يحدث ، وفي الوقت نفسه أنت لا يعنيكَ قطعا ، لأنك لست مسئولا عن الطائرة ولن تغير في شيء إذا ما صدقت شكوكك .
توقف لحظات ثم قال : يكفيك سؤال الملاح الأول .
احتقن وجه محمود وأحس بالهوان من هذا الرد ، فعزم على استفزازه .
فقال بصوت بطيء مشحون بالخبث :
- يعني أنك تخجل من سؤال الملاح ، لا بأس سأبحث عن شجاع يفعل ذلك .
كان وقع تلك الكلمات في نفس خالد مؤلماً نفسيا ، فاندفع قائلا :
- أنا لست كذلك ، سأثبت ذلك الآن .
وما هي إلا لحظات حتى ظهر لهما ملاح آخر ، فنادى خالد الملاح .
حينها أخذ محمود يقلب صفحات المجلة متظاهرا بالقراءة .
خالد شادا على أعصابه :
- مدة الرحلة انتهت ولم نصل الجزيرة ، هل هناك مشكلة ؟ أحتاج إلى توضيح .
اضطرب الملاح قليلا ، لكن سرعان ما أعاد ثبات نفسه قائلا :
- وصلنا بلاغ من قسم التحريات بمركز الشرطة عن دخول متسللين حدود الدولة عن طريق البحر على ظهر قارب صيد ، فكانت الأوامر تنص على مراقبة أكبر امتداد لسطح البحر فإذا رأيناهم أبلغنا عن موقعهم . هذا كل ما في الأمر ! .
* * * * * * * *
بعد أن ابتعد الملاح عنهم ...
أغلق محمود صفحات المجلة بقوة وأطلق ضحكه يغالب في كتمانها ... ثم قال ساخرا :
- متسللون ، وقبل ذلك بقعة زيت ، ألم أقل لك إنهم لا يقولون الحقيقة .
ثم استطرد في كلامه ... أقوالهم متناقضة كيف يراقبون متسللين ؟ حسب معرفتي أنه يوجد قسم مستقل في جهاز الشرطة يعرف بـ " خفر السواحل " وهي قوارب بحرية سريعة مزودة بأجهزة مراقبة يقودها مجندون من الشرطة أنفسهم ، عملها حماية السواحل و ملاحقة الداخلين الحدود بدون إذن قانوني ، فلماذا يستعينون بهذه الطائرة المخصصة لنقل الركاب فقط ؟ وهناك من هم أهل لهذا العمل .
قال خالد بصوت جاف وقد أستبد به الضيق :
- أرجوك لا أريد أن أسمع المزيد ، وإلا ....
قاطعه محمود مستلطفا إياه معتذرا لما بدر منه .
* * * * * * * *
فجأة قطع صوت قائد الطائرة الصمت الذي ساد بين محمود وخالد ، بأن أعلن للركاب وجوب التأكد من ربط حزام الأمان فالطائرة ستهبط بعد قليل في مطار الجزيرة ! .
عندها التفت خالد إلى محمود وعلامات السرور تشع من وجهه .
قال في ابتهاج رافعا ذراعه اليمنى قابضا على أصابعها :
- نعم ، الآن سننزل على أرض الجزيرة الحمد لله .
صعق محمود بالخبر المباغت الذي لم يتوقع أن يحدث بهذه البساطة .
أحس من كلمات خالد كأنه يقول له في سخرية ، أيها الذكي المغرور تحليلك لم يكن في محله وتوقعك لم يصب ، وها نحن نصل بسلامة .
توقفت الطائرة في مطار الجزيرة وقوفا تاما . أصوات خلع الركاب لأحزمة الأمان وهمسات بعضهم لبعض و وقع أقدامهم وهم يتحركون ببطء إلى باب الطائرة ، كل هذه الأصوات ومحمود يسمعها منكسر الخاطر ، يتألم من خذلان القدر له ، متجرعا مرارة تأنيب الضمير لتسرعه في تفسير الأحداث ، إلى أن انـتبه إلى خالد وهو يربت على كتفه يحثه على الخروج .
تحرك محمود باتجاه باب الطائرة بتـثاقل وخالد يمشي خلفه .
نزلا من سلم الطائرة متجهين نحو قاعة القادمين . ما كاد محمود يخطو خطوتين أو ثلاث حتى وقف منتصبا مشدوها بعدما مسح بعينيه ساحة المطار . شاهد منظرا غير مألوف وحدثا لم ير مثله من قبل.
شاهد حشدا من الطيارين والإداريين والمهندسين وكذلك مجموعة من السيارات ، مثل سيارة الإسعاف و الإطفاء وسيارات تابعه لقسم الدفاع المدني ، وبعض الأجهزة والمعدات الخاصة بصيانة الطائرة .
أما خالد فقد وقف لوقوف محمود ، وشاركه في المشاهدة .
أسئلة كثيرة تدور في ذهن محمود وأشياء لا يجد لها تفسيرا . ما شد انتباهه أحد المهندسين من ضمن الحشد المجتمع ، هو من أبناء بلدته وزميل الدراسة وصاحب في رحلات الفريق الرياضي .
استلم محمود حقيبته من مبنى الشحن ثم التفت يبحث عن خالد ، حين وجده طلب منه أن يستمع معه إلى مكالمته الهاتفية والتي ستكون بالسماعة الخارجية .
أتصل محمود بزميله المهندس وسأله عن سبب تجمع إدارة المطار لحظة نزول الطائرة .
كان جواب المهندس حاسما :
- بسبب العطل الطارئ الذي أصاب الطائرة ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق