الأحد، 8 يناير 2012

قصة ( ظُـلمات )


"  ظُــلمات  "

* يعقوب الريامي .

تبيّن لأهالي القرية الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، فحثّوا الخطى  بقلوب واجفة إلى مزارعهم فصعقوا لمشاهد مفجعة . هذا وجد باب حظيرته محطمة دعائمه وتخريبا في ممتلكاته ، وذاك ظل ينظر بشفقة إلى بعيره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وعضة بارزة على جسده ، وراح أحدهم يتفحص نبض عددٍ من أغنامه بعدما وجدها صرعى ، فقد انهزمت في الدفاع عن نفسها من غائلة الثعالب المسعورة .
الهاجس الذي يقلق المزارعين و أمسى مادة حديث مجالسهم هو انتشار الثعالب الهائجة التي يقرصها قرّ الليالي وينهشها شبح الجوع ، فتندفع في نزق باتجاه مساكن القرية فتعيث فسادا في مزارعهم .

*  *  *  *  *  *

يرتشف الشيخ سالم شاي العشاء في استرخاء ، متأملا أحداث نهاره ومخططا لأعمال غده ، فهو من ألمع المزارعين في القرية لتحمله مسؤولية تقسيم مياه الفلج بينهم وأحد المهتمين بقضية الثعالب . فكثيرا ما يسأل و يتقصى أخبارها ، إرشاداته مستمرة وتوجيهاته متواصلة لأهل بيته ولرجال القرية بوجوب أخذ الحذر و التصدي لها إن لزم الأمر .
بيته المتواضع يتوسط مزرعته الكبيرة .

أزفت صلاة العشاء فذهب ليسبغ الوضوء على المكاره موليا وجهه شطر بيت الخلا القابع في الساحة الخلفية للبيت . كانت الرؤية شحيحة و الأشياء غير واضحة المعالم فالساحة تفتـقد إلى مصباح خاص.
بعد فترة وجيزة سمع أصواتا غامضة ، فانتصب ساكنا مرهفا سمعه مجتهدا في فك رموزها إلا أنه أخفق في ذلك . قرر أن يبحث عن منبع الصوت ، فأرسل نظراته الفاحصة في كل موضع ظهرت له أشياء كثيرة أمام عينيه .
ما شدّ انتباهه بساط مفروش في زاوية من الساحة اعتادت صديقات زوجته الجلوس عليه في وقت العصر . أمعن النظر فيه فأدرك أن شيء ما يتحرك تحته .
تكوّم بارز من البساط ألهمه التأكد التام .
ماذا يكون تحت البساط ؟ سؤال أثار الحيرة في عقل الشيخ سالم فتوقعاته متضاربة وتخميناته متناقضة طال به التفكير .
وإنه لكذلك إذ تبرق في ذهنه شكوك أشعلت الغضب في صدره وفجرت حقده الدفين . أخذ يحدث نفسه في حنق مكبوت وعينين يتطاير منهما سهام الانتقام  ...
ربما يكون ثعلبا قذرا، تسوره للساحة ليست معضلة أمامه ووجوده تحت البساط طلبا للدفء ، بالتأكيد هو .


*  *  *  *  *  *


اقـتنع بواقعية تحليله , فما كان منه إلا أن أحكم القبضة على عصاه الغليظة قاصدا إزهاق روحه . استجمع كل قواه فسدد ضربة عنيفة أحس منها أنه يضرب شيئا طريا فازداد يقينا على يقين .

توقف بعد عدة ضربات شديدة و متوالية .
شعور جميل يتملك نفسه و يهز كيانه ويبحر به في أمواج أحلام اليقظة التي تنسج له خيالا منعشا . ذلك بأنه أنجز عملا عظيما وسيكون مفخرة بين أهالي قريته وستنهال عليه كلمات الإطراء للباقته و صواب اتخاذه القرار الجريء ، ثم تحبك هذه الحادثة على شكل قصة مثيرة يتـناقلها الناس إلى أقصى مكان .
رفع بيده المنتشية بالإعجاب البساطَ الملطخَ بالدماء فانكشفت له الضحية .
اقترب منها أكثر ثم حدق فيها لبرهة  .

سوء القدر أشهقه شهقة مدوية . كاد قلبه أن ينفطر من هول ما رأى ، اكتملت ظلمة الوجود أمام عينيه وضاقت عليه الأرض بما رحبت . لم يستطع أن يسيطر على يديه اللتين ترتجفان ورجليه اللتين أصابهما الخور فسقط كالقتيل مستندا على السور .

بكلمات يخنقها البكاء كان يردد اسم طفله الصغير ! . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق