" احـتـواء "
. يعقوب الريامي
قـُبيل غروب الشمس تجهمت السماء بوجه ملبد بالغيوم ، فظهر البِشْـرُ في وجوه سكان الحي الحديث ، متضرعين لله بأن يمن عليهم بماء ثجاجا ، فقد سمعوا ناقوس الخطر يدق في شبكة منازلهم ، بتناقـص شريان الحياة فيها .
* * * * * * *
تسارعت خطوات المصلين إلى المسجد لصلاة العشاء ، في جو مشحون بظلمة أكثر سوادا من ذي قبل أوجدتها السحب القاتمة . غص الجزء الداخلي بالكبار ، أما الساحة الخارجية انتشر فيها أطفال من مختلف الأعمار ، محدثين جلبة اعتادها المصلون ، واليوم زادت عن حدها المألوف بسبب إرهاصات المطر ، منتظرين قدومه بفرح غامر .
السماء مثقلة بالمزن ، بين الفينة والأخرى ترتجف قلوب الجميع لهزيم الرعد ثم يعقبه البرق بضوئه الساطع الذي يكاد يخطف الأبصار , وهواء بارد يهب عليهم يزف لهم خبر المطر الذي نزل قريبا منهم وأنه قادم إليهم .
بعض المصلين يحدقون في عقارب الساعة ، منتظرين وصول الوقت المحدد للصلاة ، بينما كان البعض الآخر يلتفت يمنة و يسرة ليتأكدوا من وجود واحدا من المجموعة التي تعارف الناس على أهليتهم بالإمامة ، كانت الأنظار متجهة ناحية الطبيب الشاب علي ، لشهادة الناس له بحفظ القرآن وحسن الترتيل ، أزف وقت الصلاة فأشار علي إلى المؤذن بالإقامة .
ما كاد المصلون يسمعون الكلمات الأولى من الإقامة ، إلا حدث أمرٌ ضاقت قلوبهم له وبان التذمر في ملامحهم ، فقد صرخ الأطفال جميعا صرخة واحدة عند نزول أول قطرة مطر ! ، قنبلتهم الصوتية دوت في أرجاء المسجد ووقع أقدامهم المهرولة ظلت ترن في أذان الجميع كأنه طبل زفاف ، فقد أسكرتهم نشوة ماء السماء .
تحرك أحد الرجال في انفعال ظاهر منبها الأطفال ببدء الصلاة ، طالبا منهم لزوم الهدوء . اقترح أحد المصلين غلق أبواب المسجد لتخفيف حدة الصوت الهادر ، عندها كبر الأمام تكبيرة الإحرام ، استوت الصفوف وسكنت حركات المصلين .
المطر يسقط بغزارة ، محدثا دويا بفعل اصطدامه بالمضلة الحديدية المثبتة في الساحة الخارجية ، عبث الأطفال و أصوات ضحكاتهم مازال يتردد في جـنبات المسجد إلى بداية الركعة الثانية ! .
* * * * * * *
حين انتهت الصلاة استدار الأمام إليهم وجها لوجه للدعاء - في هذه الأثناء كان المطر يهطل بمستوى أقل من ذي قبل – كان دعاؤه قصيرا هذه المرة ، صمت لبرهة رافعا رأسه ، مسددا نظره في وجوه المصلين ، بعدها قال بنبرة حازمة مبتدءاً بالبسملة :
- أرغب في أن أستغل هذا التجمع المبارك لأحدثكم في موضوع يمس قدسية هذا المسجد ، التي لا تتحقق إلا بكم ، وقبل أن أبدأ أطلب الإذن من وكيل المسجد – أشار إليه بيده – إن كان يرى في ذلك مصلحة .
أومأ وكيل المسجد بالاستمرار ، وهو موظف في وزارة الخدمة المدنية ، اختاره أهل الحي ليتحمل مسؤولية الاهتمام بالمسجد وحفظ ممتلكاته .
بعدها أكمل الإمام قائلا :
- كما تعلمون أن للصلاة أحكاما و للمساجد حرمات ، فهي بيوت الله و مكان العبادة ، ولا يخفى على أحد منكم ظاهرة حضور الأطفال إلى المسجد ، فقد يبدو للوهلة الأولى أن حضورهم خير وصواب ، وهذا صحيح ، ولكن واقع هذا المسجد بخلاف ذلك ، وما أدل على ذلك ما حدث منهم قبل قليل ، فهي القشة التي قصمت ظهر البعير . فهم يحدثون ضوضاء تسلب الخشوع من المصلين ، تجمعهم في ساحة المسجد مدعاة للتدافع فيما بينهم والصخب الطفولي وهذا يشوش على المصلين ، كما أن وجودهم في الداخل يدل على أنهم لا يفقهون أحكام الصلاة ، فهم لا يحسنون الوقوف والاستواء في الصف ، الالتفات و التحرك من طبعهم ، ناهيك عن الفرجة في الصف .
عـبثهم لم يسلم منه أثاث المسجد وأدواته ، فالمواد الصحية في – أكرمكم الله - دورات المياه تالفة وبعضها مفقود ، الماء يتسرب من الثلاجة بعدما كسرت أنابيبها مع أنها حديثة العهد بالشراء ، تم تغيير القفل الخاص بـباب مخزن المسجد لعدة مرات بسبب تكرار خلعه ، حتى وصل الحال باختفاء الدبابيس التي تـثبت بها الأوراق في لوحة المسجد .
أقول .. ألا يستدعي ذلك منا وقفة صادقة وكلمة جادة لنضع حداً لعبثهم و لنعيد الوقار و السكينة للمسجد ؟ ما أطلبه منكم الآن ، أن من عنده اقتراحٌ أو رأي في سبيل إيجاد حلٍّ لهذه الأزمة فليعرضه أمامنا لنتفق على كلمة سواء . وقبل أن أعطيكم المجال للتحدث ، أؤكد أن هؤلاء الأطفال هم أبناءنا أو أبناء إخواننا أو أبناء أصدقائنا ، فكلنا من حي واحد تجمعنا قرابة أو جيرة .
خيم الصمت على الجميع . بعده سرت همهمة بينهم ، قطعها أبو سيف رافعا يده مستأذنا الإمام للكلام ، أبو سيف رجل في نهاية العقد الرابع من عمره ، يعمل في الجيش برتبة وكيل ، عـرف بمحافظته على الصلاة ، كما أن له توجه جاد في القراءة المتنوعة و الكتابة الرصينة ، يظهر ذلك في مقالاته التي يكتبها بمجلة " المقاتل " التي تصدرها وزارة الدفاع . كان حاد النظرات ، منقبض الوجه ، قال بلهجة شديدة :
الحمد لله الذي أعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد مسير جيوش الإيمان و مزلزل عروش الطغيان و محرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ...
أقترح للقضاء على هذه المهزلة التي طال أمدها و عم ضررها ، القيام بحملة تفتيش مباغته ، وذلك بأن نختار منا اثنين من أهل الصبر و الجلد ، يرابطون أمام الباب الخارجي للمسجد ، فأي طفل يريد الدخول يُـنظر في عمره ، فإن كان عمره أقل من عشرة أعوام يؤمر بالرجوع إلى بيته فإن رفض يتم اعتقاله ثم حبسه في مخزن المسجد ! ، ولن يفرج عنه إلا بحضور ولي أمره . أما إن ثبُت أن عمره تجاوز عشرة أعوام فله الدخول للصلاة فهو مميز و مدرك ، وشكرا على الاستماع .
ارتسمت ابتسامة عريضة في وجوه البعض ، و تندر آخرون فيما بينهم بصوت منخفض ..
عقب الإمام قائلا :
- نشكر أبا سيف على اقتراحه . أنبه الجميع أنه لا داعي للخطب النارية ، فمن يريد أن يدلي برأيه يقوله مباشرة . علما أن باب الحوار و الرد مفتوح للجميع .
ظل أبو سيف يقلب نظره في وجوه المصلين بعينيين مفتوحتين على اتساعهما !.
تكلم من قدامى المعلمين في مادة التاريخ :
- طبعا بدون خطب نارية - محاولا إخفاء ابتسامته - أنا أختلف مع أبي سيف في كون شرط دخول الطفل المسجد هو سن العاشرة ، لأن كثيرا من المربين قبل هذا السن يـُعلمون أبنائهم كيفية الصلاة و يلقنونهم آداب المسجد كالدخول بالرجل اليمنى مع الدعاء و استقبال القبلة عند قراءة القرآن واحترام الكبير والاستواء في الصف ، لدرجة أن المربي يثق في ابنه في الذهاب معه إلى المسجد ولن يرتكب محظورا أو يضر أحدا ، فهل يعقل أن ينتظر هذا الطفل إلى سن العاشرة لدخول المسجد وقد أتقن العبادة في سن الثامنة مثلا . الأخلاق ومعرفة أحكام الصلاة واستشعار قدسية المسجد هو جواز العبور إلى المسجد مهما صغر سن الطفل ، كذلك أضيف أن أسلوب العنف معهم له ردة فعل عكسية ، فـربما يهجرون المسجد بسبب عقدة الخوف التي أورثتها لهم المعاملة القاسية . الذي أراه هو حل هذه القضية بطريقة تربوية .
أبو هلال ، متقاعد من وظيفة حكومية ، قال متسائلا وهو يُـمسد لحيته :
- من المسئول الأول عن مجيء الطفل إلى المسجد ؟ إذا حددناه بشخصه كان لنا أن نخاطبه ...
ما كاد ينتهي من نطق الكلمة الأخيرة إلا قاطعه رجل يعمل سائقا لحافلة نقل الطلاب ، تظهر على تقاسيم وجهه ملامح الكبر في السن ، قال منفعلا وبصوت عال ، ويده اليمنى يقطع بها الهواء مع كل كلمة يقولها :
- الأب هو المسئول لا أحد غيره ، تكلموا معه ، فهو يعلم أين يذهب ابنه و ماذا يفعل ، ولن نوافق على مجيء طفل إلى المسجد بدون أبيه أو ولي أمره .
رد على كلامه المهندس عادل ، يعمل في شركة نفطية ، قائلا بصوت هادئ :
- من الخطأ أن تحملوا الأب كل المسؤولية . فأنتم تدركون جيدا أن بعض أولياء الأمور يتغـيبون عن البيت إلى مدة قد تصل ثلاثة أسابيع ، كالذين يعملون في القطاع العسكري أو في الشركات التي يكون موقع عملها في الصحراء ، في هذه المدة قد يعلم أن ابنه يذهب إلى المسجد كحق مشروع له لكن لا يدري كيف سلوكه هناك ، وغالبا لا يخبره أحد بذلك وذلك بتقصير منا في كثير من الأحيان . كذلك بعض الآباء – هداهم الله - لا يقربون المسجد ، فتجدهم لا يكترثون إن ذهب أولادهم إلى المسجد أو لم يذهبوا ، ولا يسألوا عن حالهم فيه .
صمت لبرهة ثم استطرد كلامه بصوت حازم يخالف نغمة صوته السابق ...
سأصارحكم بحقيقة ، نحن الآباء أو أولياء الأمور لا نعلم جيدا ما يفعل أبناؤنا من خلفنا أثناء الصلاة ، فهم غالبا ما يصلون في الصفوف الخلفية ، فربما يتغير حالهم ويرتكبون أفعالا منكرة مهما كانت ثقتنا بهم ، ثم ما إن تقترب الصلاة من نهايتها حتى يظهرون بوجوه خاشعة وسلوك مهذب ، أنا لا أقول كل الأطفال .
الأب في المسجد وهو لا يعلم حال ولده ، فكيف بالآباء الذين هم في وظائفهم أو الذين يصلون في البيت .
ألـفت انتباهكم إلى أن الأطفال المؤدبين يتأثرون بسلوك المشاغبين منهم ، فهو مثل المرض عدواه تصيب الأصحاء إن صح التعبير . أذكر أن ولدا عرفته بأدبه وحسن سلوكه أحدث ضجة بسبب دفاعه عن نفسه من اعتداء احد المشاكسين ! . وأخيرا أقول المسئولية تقع على عاتقنا معا ، الأب ثم الجيران ثم أهل الحي كلهم . يجب أن نكون يدا واحدة ، ويفهم بعضنا بعضا .
سادت همهمة بين المصلين ، فقد بين لهم حقائق كانوا عنها غافلين ...
بعدها رفع أبو سيف العسكري يده مجددا معلنا رغبته في الكلام ، كان بعضهم يغمزون و يلمزون بطريقة تـنم عن حبهم لسماع كلامه .
- المشاغبون شرذمة قليلون ، ولكي نكتشفهم و نميزهم من غيرهم بهدف السيطرة عليهم ، أقترح أن نستفيد من أسلوب المخابرات في أجهزة الأمن ، وذلك بان ندس بينهم ولدا قريبا من سنهم ، يجالسهم في الساحة الخارجية و يصلي معهم في الصفوف الخلفية ، بحكم اختلاطه معهم يستطيع أن يميز المصلح من المفسد ...
انفلتت كلمة من أحد المصلين ... تقصد بعوضة .
استطرد أبو سيف كلامه معقبا على تلك الكلمة ...
أقصد جاسوس ثم قال مبتسما ، البعوض الحقيقي لا مكان له في هذا المسجد فالمبيد الحشري له بالمرصاد ! .
سرت قهقهة هادئة بين المصلين ثم أكمل حديثه :
بعدها نطلب من هذا الولد قائمة بأسماء المارقين منهم ، وسنتعامل معهم بالطريقة التي ترونها مناسبة .
أبدى أحدهم وهو كاتب في السجلات الطبية رغبته في الكلام ، فقال :
أؤيد فكرة أبي سيف ، والذي أطلبه أيضا من الجاسوس غير المراقبة والتقيّم ونقل المعلومات أن يكون لهم ناصحا و موجها ، يـقنعهم بخطأ سلوكهم و يشرح لهم آداب المسجد ، فبذلك يكون له دوران نافعان .
تكلم التاجر أحمد صاحب ورشة حدادة ، برق من عينيه ضوء يشي بأن صفقة تلوح له في الأفق ، قال :
أذكر أنني زرتُ دولة ما شاهدت فيها مسجدا على مقربة منه قطعة أرض ملك له ، فيها مجموعة من الألعاب مثل لعبة التأرجح و التزحلق وغيرها ، هدف في ذلك إشغال الأطفال عن دخول المسجد .
صمت قليلا ثم أردف قائلا وهو يحك شاربه :
إذا وافقتم على هذه الفكرة ، فأنا مستعد لصنع هذه الألعاب في ورشتي .
عقب الإمام :
فكرة التاجر أحمد مقبولة ، لكن أكثر ما يُـعمَـلُ بها في المساجد العامة التي تقع بجانب الطريق ، وغالبا ما يرتادها المسافرون و عابرو السبيل . أما هنا ونحن في هذا المسجد الخاص لسكان الحي فقط ، مع كثرة عدد الأطفال فيه ، فإننا سنفتح على أنفسنا بابا يدر علينا المتاعب من حيث لا ندري .
انكمش التاجر أحمد على نفسه ، وهو ينظر بعينين منطفئتين و وجه به مسحة حزن .
* * * * * *
مسح الإمام الحضور بنظرة خاطفة ، فلم يرى يدا مرفوعة ولا كلمة مسموعة .
فأشاح بوجه إلى وكيل المسجد ، مخاطبا إياه :
- آن لنا أن نسمع منك القرارات النهائية لهذا الاجتماع والتوصيات لحل هذه الإشكالية .
ما كاد ينطق بالكلمة الأولى ... إلا وأوقفه شخص تكلم من الصفوف الخلفية فاستدارت الوجوه لرؤيته .
قال بأدب :
- عذرا على المقاطعة ... يبدو أنني غريب عليكم في هذا المسجد ، الحقيقة أني نزلت ضيفا على أبي مصطفى - وأشار إليه بيده – فأنا واعظ من الولاية المجاورة لكم .
توقف قليلا ثم تابع :
بادئ ذي بدء أشكركم على إتاحة لي المشاركة في هذا الحوار الهادف ، وأثني على بادرتكم الرائعة في عقد هذا الاجتماع المحمود لمناقشة واقع تعايشه أغلب المساجد ، وأنتم الآن تعيدون للمسجد أحد أدواره التي فقدنا الكثير منها .
فأقول ...
مجيء الأطفال إلى المسجد واقع فرض نفسه علينا ، ولا يمكن أن نمنع أحدا من ذلك ، هناك من يؤيد حضورهم بحجة تعويدهم على حب المسجد و مداومة الصلاة ، مؤولين روايات في كتب الصحاح مما يدعم موقفهم ، وهناك من يعارض ذلك بحجة صخبهم و تضييعهم لحقوق المسجد .
استرجع أنفاسه ثم تابع :
فالذي يظهر لي أن هناك ثلاثة أطراف هي محور القضية ، الأطفال والآباء والمجتمع نفسه ، وهناك عامل فاعل في توجيه هذه الأطراف إلى الطريق السديد ، وهو المسجد ذاته .
من المسجد علينا تحقيق مشروع احتواء الأطفال ، وهو مصطلح معبر و مثالي . وشرحه أن نقلص الفجوة التي بيننا و بينهم ، فلا نقول إنهم أطفال يجب عليهم أن يخضعوا لنا بالانقياد و الطاعة ، وننظر إليهم بتعالٍ و نتجاهلهم من المحيط الذي يعيشون فيه بل علينا أن نتفاعل ونندمج معهم ونشركهم في أمور تناسب إدراكهم العقلي و حصيلتهم المعرفية . مثال على ذلك الأنشطة الثقافية والاحتفالات في المناسبات الدينية والفعاليات التربوية ، كلها أرضية خصبة لنشترك نحن الكبار مع هؤلاء الصغار . بهذا كله نكسب قلوبهم و نحظى بودهم ، فإن أمرناهم أطاعونا حبا لنا ، وإن نهيناهم عن شيء تركوه حياء منا . فيكونون أداة طيعة بأيدينا نعيد صياغتهم كيف نشاء ، فتجدهم يحترمون المسجد بتلقائية و يقدسونه بعفوية و يلتزمون آدابه من طيب خاطر .
لا أطيل عليكم إذا كنتم ترغبون مزيدا من التوضيح في هذا الجانب ، فإنا أُرحب بالتباحث مع وكيل المسجد بعد الصلاة .
صمت لبرهة ، ثم قال :
ما قلته سابقا هو خاص للطرف الأول وهم الأطفال ، وقد أثبتت التجربة عندنا نجاح ذلك بشكل باهر .
أما ما يتعلق بالطرف الثاني و الثالث الآباء و المجتمع ، فعلى المسجد أن يضطلع بمهمة توجيههم وإرشادهم بالطريقة المثلى في التعامل مع الطفل الراغب في حضور الصلاة في المسجد .
ومما لا بد من ذكره هو تطبيقنا للقاعدة التربوية الترغيب والترهيب ، فالترغيب هو المكافأة والعطاء للطفل المتميز والإيجابي في المسجد ، أما الترهيب هو العقاب و الزجر للطفل العدواني ظاهر الانحراف فقط ، فبعض الأطفال مشاغبون بسبب نزوة عابرة أو حماس زائد ، فعلينا التفريق في التعامل معهم .
وكلمة أخيرة أقولها للجميع ، دعوة إلى أن نحبب أطفالنا في الصلاة ونعلق قلوبهم بالمسجد ، بأسلوب تربوي صحيح .
بارك الله فيكم ، وجعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
أستلم وكيل المسجد خيط الحديث :
- لا عطر بعد عروس ، ليس لدي كلام جديد ، فحديثكم وحديث ضيفنا الواعظ فيه ما يكفي للفترة القادمة ، وأي جديد يظهر لنا سنتعامل معه باستشارة الجميع ، كهذا الاجتماع ولكل مقام مقال .
ما أقترحه حاليا تشكيل لجنة تتكون من ثلاثة أشخاص وأنا رابعهم ، عملها تفعيل نتائج هذا اللقاء على أرض الواقع ، لكي لا يكون اجتماعنا مجرد كلام نظري . لقد اخترت الأعضاء بدون أخذ رأيهم ، وهم أبو سيف والطبيب علي والمهندس عادل ، فأنا على يقين أنهم لن يرفضوا فهم أهل للثقة ... أليس كذلك ؟
أومئوا جميعا بالموافقة في سرور .
تابع وكيل المسجد كلامه ، ملتفتا ناحية الضيف الجديد :
أرجو من ضيفنا الواعظ أن ينتظرني مع بقية أعضاء اللجنة بعد الصلاة لنستوضح منه مزيدا من التوصيات والتوجيهات ، فهو صاحب تجربة سابقة في ذلك ، نفعنا الله بعلمه .
* * * * * * * *
بعد عدة أيام تحلق عدد من المصلين أمام ورقة معلقة في لوحة المسجد ، مفادها أن محاضرة ستُلقى في هذا المسجد ، محددة الزمان واسم المحاضر بعنوان " طريقنا نحو طفل قلبه معلق بالمسجد " .
في ورقة مختلفة محاضرة للنساء فقط ، في المجلس العام للحلة ، تحمل عنوان " دور الأم في تربية أبنائها على آداب المسجد " .
بعد صلاة العصر تحلق خليط من الكبار و الصغار لتعلم قراءة القرآن الكريم .
في أحد الأسابيع بالتحديد يوم الخميس صباحا ، تجمهر مجموعة من الأطفال أمام بوابة المسجد .
مر عليهم أحد الرجال فسألهم في عجب ظاهر عن سبب تجمعهم ، فأجاب أحدهم :
- للمشاركة في معسكر لتنظيف المسجد ، وتحويل غرفة المخزن إلى مكتبة ! .
في اجتماع خاص بين وكيل المسجد والأعضاء الثلاثة ، تكلم أبو سيف :
- بعد إحصاء عدد الأطفال المرتادين للمسجد تبين لي أننا في حاجة إلى حافلة أكبر من
المتفق عليها سابقا ، توقف قليلا ثم أردف :
ما رأيكم أن أستعير من المعسكر الذي أعمل فيه إحدى ناقلات الجند الضخمة ؟! .
وكيل المسجد مبتسما :
- لا ..لا ... سأتدبر إحضار الحافة الكبيرة بنفسي .
ثم التفت إلى الطبيب علي ، فسأله :
- ماذا أعد لنا المسئول الثقافي ؟
أجاب علي باهتمام :
- لقد انتهيت من إعداد قائمة من المسابقات الرياضية و الألعاب المرحة والأسئلة الثقافية
ثم أخبرت عادلا بشراء الجوائز ، بحكم أنه المسئول المالي .
قال عادل :
- نعم اشتريت الجوائز ، وقد تميزت جوائز أصدقاء المسجد عن البقية . للعلم الميزانية في
وضع جيد ، وستغطي جميع النفقات بما فيها وجبة الغداء .
وكيل المسجد بعد تفكير :
- ما رأيكم أن تكون الرحلة الخلوية ، إلى مسفاة العبريين بولاية الحمراء .
أثنى الجميع على موقع الرحلة .
وكيل المسجد :
- للتنبيه شهر رجب على الأبواب ، سنجتمع قريبا لنتباحث في شكل الاحتفال الذي سنقيمه
في المسجد بمناسبة الإسراء و المعراج للرسول صلى الله عليه وسلم ، وسنركز على
مسألة كيف نُفعّل دور الأطفال في هذا الاحتفال ؟ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق