" عندما
يفكر الأطفال "
- كنا ننتظر عودتك من العمل ، لقد تلقينا اتصالاً
من هذا البيت باستبدال أسطوانة غاز جديدة من سيارة أبي ، إلى الآن لم نقبض الثمن .
حك الرجل رأسه ثم أخرج المبلغ
في صمت .
أمام بيتٍ عملاق تتقدمه حديقةٌ
غناء ، قال القادم مرتديا قميصا أبيضً مرسوما عليه قطرة ماء مكتوبا أسفلها "
فلنحافظ عليها جميعا " :
- في فترة غيابك أحضرنا لكم بسيارة أخي الأكبر
عبوتين كبيرتين لماء الشرب ، بناءً على طلبكم ، أرجو دفع القيمة .
اتسعت حدقات عيني الرجل ثم عادتا
إلى وضعهما الطبيعي بعد تسليم المال .
في وقتٍ من ذلك اليوم شوهد في
أحد المقاهي اثنان لم يبلغا الحلم ، ملتفين حول طاولة عامرة بالوجبات السريعة ،
وعلب المشروبات الغازية تنتصب كأنها أعلام في حفل دولي ، وتلال من البطاطس المقلي
تتوزع بينهما . كان يتعاطى معهم هذا الفعل طفلٌ يشذ عنهما برقة لحمه وقرب رأسه من
الأرض .
أطبق الهدوء في المكان وتمدد
صوت السكون في الفراغ .
في هذه الأثناء بدأ الصندوق
الورقي في الاهتزاز ثم انفتح من أعلى ببطء ، ظهر منه رأس صغير وعينان ضيقتان تنبعث
منهما نظرات مشتتة مشوبة بحذر . لم يجد من البشر أحدا فهدأ قليلا خفقان قلبه الوجل
.
دفع بنفسه خارجا ثم أخذ يمشي
الهوينى مقلبا بصره في المعروضات الثمينة بشراهة ، والبريق الأصفر لها يستثير
نوازع الشر في داخله .
في ظهيرة ذلك اليوم ، كان مركز الشرطة في حالة استنفار إثر صراخ جرس الإنذار .
اتصل رجل الشرطة بتاجر الذهب :
- المحل يتعرض للسرقة ، الرجاء حضورك حالا .
كان هذا الخبر كفيلا بجحوظ
عينيه مع تبخر ما كان عالقا بها من سكرات نومة القيلولة . ظل التاجر غير مصدق لما
سمعه فهو على يقين أنه أغلق المحل ببابه المدرع ثم قيده بأقفاله المتينة التي
تجاوزت عدد أصابع يده .
بعد مدة قصيرة كانت الأحذية
الثقيلة لثلاثة من الشرطة تقرع الأرضية الرخامية للمحل .
شرعوا جميعا يفتشون بعيون
مجهرية ، ذرعوا المحل طولا وعرضا ، وهم يقتفون الأثر ويلتمسون خيوط الجريمة .
أكد التاجر لهم لاحقا أن بعض
أطقم الذهب مفقودة ، والدواليب الزجاجية أصابتها يد العبث .
قال الشرطي وقد خنقه العجب :
- يبدو أن اللص أذكى مما نتصور .
بينما كان التاجر يقلب كفيه على
ما أنفق أسفا ، لمح أحد الشرطة صندوقاً مختفيا تحت الطاولة ، فسأل في انفعال عن
سبب وجوده ومحتواه .
أخذ التاجر يستذكر أمرا ما ،
بعدها تنفس بعمق وقال :
- في هذا الصباح جاء طفلان أعرفهما جيدا يحملان
هذا الصندوق ، وأبديا رغبتهما في وضعه في المحل ، ليأتيا لاحقا لأخذه حالما يتما
ما تبقى من تسوقهما ، الذي حدث أنهما تأخرا ، فأغلقت المحل بعد أذان الظهر ، جازما
أنهما سيعودان لأخذه عصرا .
ما كاد الشرطي يصرف نظره عنه ،
إلا وجمدت حركته مرهفا السمع لصوت خشخشة يصدر من الصندوق نفسه ثم بدأت أركانه تمور
.
في سرعة خاطفة هوت يد الشرطي
لفتحه ، فخرج الرأس الصغير مجددا ، بوجه ترهقه غبرة الخوف ، مرتعش الأوصال ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق