الأحد، 15 يوليو 2012

قصة : عندما يفكر الأطفال




" عندما يفكر الأطفال "




*  يعقوب سعيد الريامي .


فتح رب الأسرة باب بيته الفخم ، قال القادم وهو يرفع قبعة الشمس قليلا ثم يمسح العرق عن جبينه :

-  كنا ننتظر عودتك من العمل ، لقد تلقينا اتصالاً من هذا البيت باستبدال أسطوانة غاز جديدة من سيارة أبي ، إلى الآن لم نقبض الثمن .

حك الرجل رأسه ثم أخرج المبلغ في صمت .



أمام بيتٍ عملاق تتقدمه حديقةٌ غناء ، قال القادم مرتديا قميصا أبيضً مرسوما عليه قطرة ماء مكتوبا أسفلها " فلنحافظ عليها جميعا " :

-  في فترة غيابك أحضرنا لكم بسيارة أخي الأكبر عبوتين كبيرتين لماء الشرب ، بناءً على طلبكم ، أرجو دفع القيمة .

اتسعت حدقات عيني الرجل ثم عادتا إلى وضعهما الطبيعي بعد تسليم المال .



في وقتٍ من ذلك اليوم شوهد في أحد المقاهي اثنان لم يبلغا الحلم ، ملتفين حول طاولة عامرة بالوجبات السريعة ، وعلب المشروبات الغازية تنتصب كأنها أعلام في حفل دولي ، وتلال من البطاطس المقلي تتوزع بينهما . كان يتعاطى معهم هذا الفعل طفلٌ يشذ عنهما برقة لحمه وقرب رأسه من الأرض .


كانت شفاههم تنفرج على ابتسامات صفراء ومن أعينهم تنفذ نظرات ثعلبية ! .


 ********



أطبق الهدوء في المكان وتمدد صوت السكون في الفراغ .

في هذه الأثناء بدأ الصندوق الورقي في الاهتزاز ثم انفتح من أعلى ببطء ، ظهر منه رأس صغير وعينان ضيقتان تنبعث منهما نظرات مشتتة مشوبة بحذر . لم يجد من البشر أحدا فهدأ قليلا خفقان قلبه الوجل .

دفع بنفسه خارجا ثم أخذ يمشي الهوينى مقلبا بصره في المعروضات الثمينة بشراهة ، والبريق الأصفر لها يستثير نوازع الشر في داخله .




في ظهيرة ذلك اليوم ، كان مركز الشرطة في حالة استنفار إثر صراخ جرس الإنذار .

اتصل رجل الشرطة بتاجر الذهب :

-  المحل يتعرض للسرقة ، الرجاء حضورك حالا .

كان هذا الخبر كفيلا بجحوظ عينيه مع تبخر ما كان عالقا بها من سكرات نومة القيلولة . ظل التاجر غير مصدق لما سمعه فهو على يقين أنه أغلق المحل ببابه المدرع ثم قيده بأقفاله المتينة التي تجاوزت عدد أصابع يده .

بعد مدة قصيرة كانت الأحذية الثقيلة لثلاثة من الشرطة تقرع الأرضية الرخامية للمحل .

شرعوا جميعا يفتشون بعيون مجهرية ، ذرعوا المحل طولا وعرضا ، وهم يقتفون الأثر ويلتمسون خيوط الجريمة .

أكد التاجر لهم لاحقا أن بعض أطقم الذهب مفقودة ، والدواليب الزجاجية أصابتها يد العبث .

قال الشرطي وقد خنقه العجب :

-  يبدو أن اللص أذكى مما نتصور .



بينما كان التاجر يقلب كفيه على ما أنفق أسفا ، لمح أحد الشرطة صندوقاً مختفيا تحت الطاولة ، فسأل في انفعال عن سبب وجوده ومحتواه .

أخذ التاجر يستذكر أمرا ما ، بعدها تنفس بعمق وقال :

-  في هذا الصباح جاء طفلان أعرفهما جيدا يحملان هذا الصندوق ، وأبديا رغبتهما في وضعه في المحل ، ليأتيا لاحقا لأخذه حالما يتما ما تبقى من تسوقهما ، الذي حدث أنهما تأخرا ، فأغلقت المحل بعد أذان الظهر ، جازما أنهما سيعودان لأخذه عصرا .

ما كاد الشرطي يصرف نظره عنه ، إلا وجمدت حركته مرهفا السمع لصوت خشخشة يصدر من الصندوق نفسه ثم بدأت أركانه تمور . 

في سرعة خاطفة هوت يد الشرطي لفتحه ، فخرج الرأس الصغير مجددا ، بوجه ترهقه غبرة الخوف ، مرتعش الأوصال ! .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق