" ذوبان الجليد
"
* يعقوب بن سعيد الريامي
ارتمى على السرير كثمرة ساقطة
من غصن واهن ، أشبك أصابع يديه ثم أخفاهما تحت رأسه المضطرم بالأفكار ، نشر نظراته
الحائرة في فضاء الغرفة ، أمال رأسه ناحية النافذة ، راح يتأمل مشهد مراقصة الهواء
لطرف الستارة في شرود ذهني تعرفه من بقاء عينيه مفتوحتين جامدتين .
منذ ليلتين وهو يحاول عبثا
أعادة انتظام أفكاره المشتتة ، كأنه يجمع الزئبق من أرض زلقة . هواجس القلق تكدر
عليه يوم زفافه الذي يحلم به مشرقا هانئا ، فـتغشى وجهه غمامة حزن ويلتبس به الخوف
من الآتي .
ضج به التفكير .. إلى أن قرر
أمرا فقام لتنفيذه .
كان الأب يسقي نباتات الزينة في
حديقة المنزل ، وقف بجانبه ، فلما هم بالحديث أوجس منه رهبة واعترته حالة من
التردد ، ربط على قلبه وقال :
- أبي أرغب في تقديم زفافي إلى
هذا الأسبوع ، أي قبل الموعد المتفق عليه بشهر.
أنتفض الإبريق في يده ، التفت
إليه بوجه محتقن ثم قال بصوت جاف :
- أتريد أن تتعجل في وفاة أمك
؟! .
بُهت من رد أبيه :
- كيف ذلك ؟ .. لم أفهم .
تنفس الأب بعمق :
- سأصارحك .. لقد أسر إليّ
الشيخ بتفسيره للحلم الذي رأيته .
صمت ممتعضا من تسرب خصوصياته ،
مستذكرا في مخيلته ما حدث له ...
في ليلة دافئة المشاعر ظل لساعات يسكب في إذن
خطيبته كلمات الغرام محلقا بها في عالم وردي على جناحي الحب والسعادة ، ما إن
ترطّب قلبه وارتوت نفسه حتى أغلق الهاتف ثم أوى إلى مضجعه ، كطفل شبع من الرضاع
فتملكه النوم في خدر .
وجد نفسه في مكان تسطع منه
أضواء ملونة وضربات الدف تهز جوانبه ، كان يجلس على أريكة وثيرة مرتديا حلة مهيبة
، وبجانبه خطيبته في أبهى زينتها . رأى أم زوجته تبتسم له وخالته تصفق في طرب
وأخته تبادله مشاعر الفرح ، ولفيف من الأقارب وأهل البلدة يتمايلون على أنغام
رنانة .
وإنه لكذلك إذ تنقبض عضلات وجهه
ويتعرق جبينه ، فقام من نومه مضطربا .
ظل متأرقا بقية ليلته ، يسأل
نفسه لماذا لم تظهر أمي الحبيبة في حفل زفافي؟! .
في ذلك اليوم سأل الشيخ تأويل
رؤياه .
عاد إلى واقعه على كلمات أبيه :
- يا بني عليك أن تتبع توجيهات الشيخ ، فقد ارتأى
أن لا تَـزِفَ عروسك حتى ترى نفس الحلم مع ظهور أمكَ فيه .
ظل واجما في دهشة ، ثم سأل :
- وهل يمكن أن يتكرر ذات الحلم
؟
أجاب الأب وهو يصب الماء في
موضع آخر :
- يقال أن الإنسان هو من يحدد
شكل أحلامه .
اهتاجت الأفكار في رأسه مجددا ،
و ماانفك الهم يعتصره في الأيام التي تلت.
* * * * * * * *
ها هو الآن في عالما ناصع
البياض ، يعدو هربا من كتل الثلج المتردية من أعلى جبال الجليد ، وفي نفس الوقت
يحذر أن تزل قدمه فصفائح الثلج تتفطر من تحته ، ورياح الزمهرير تعصف بعنف فتكاد
تكبه على وجهه . قلبه يخفق هلعا والموت يأتيه من كل مكان .
في لحظة مباغتة تأرجحت في
الهواء صخرة ثلجية كبيرة ، انتبه إليها متأخرا فلم يقدر على الإفلات منها فهوت على
رأسه فخر مضرجا بالدماء ، عندئذٍ انشقت الأرض من تحته فراح يغوص في بحيرة ماء ، ظل
في قعرها ينازع أنفاس الموت الأخيرة .
استيقظ من نومه فزعا ، جلس على
السرير يستعيد أنفاسه المتقطعة .
حينها شعر ببرودة شديدة في
الغرفة ، أضاء المصباح ثم جر خطواته كمن يسير في الوحل ، ألقى نظرة على ضابط درجة
الحرارة في جهاز التبريد ، فوجد وضع التبريد في درجة عالي جدا والهواء ينفذ منه
بشده .
فجأة تنبه لأمر مهم ، مما
استثار خلايا التفكير عنده في محاولة لفهم الرابط بين عالم الثلج في حلمه وجهاز
التبريد في واقعه ، كذلك معرفة وجه الشبه بين الموت غرقا في بحيرة متجمدة في حلمه
وبين تفسير الشيخ لحلمه في موت أمه قبل ليلة زفافه واقعا .
سمع دوي سقوط فكرة في ماء عقله
، محدثتا موجات من الأسئلة ، هل الأحلام تكشف لنا الغيب ؟ وهل معناها يُغيّر من مجرى القدر في حياتنا ؟
بعد إعمال عقله وتقليب فكره
طرقت في رأسه حقيقة ما ، احتلت مكانا عميقا في نفسه اقتناعا وإعجابا ، على أثرها
أطلق ضحكة مجلجلة مثقلة بالسخرية ، سارع في خنقها حين تذكر أنه في الهزيع الأخير
من الليل .
* * * * * * * *
صباحا في مائدة الإفطار قال
لأبيه بنبرة متخمة بالثقة :
- لقد تَحَقق طلب الشيخ ، فقد رأيت البارحة الحلم
ذاته .
تهلل وجه الأب فرحا :
- هل متأكد أنك شاهدتَ أمكَ في الحلم ؟
أجاب وابتسامه غامضة تحتويه :
- الحق أني لم أرها ، لكن حينها سألت أختي ، فأجابت
أنها ذهبت إلى المطبخ لتحضر كعكة الحفل ! .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق